فصل: 990- باب ما جاءَ في صَيْدِ كَلْبِ المَجُوس

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي للمباركفوري ***


17- كتاب الصّيْدِ

الصيد في الأصل مصدر صاد يصيد صيداً وعومل معاملة الأسماء فأوقع على الحيوان المصاد، والاصطياد يحل في غير الحرم لغير المحرم، والمصيد يحل إن كان مأكولا لقوله تعالى‏:‏ ‏(‏وإذا حللتم فاصطادوا‏)‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏(‏وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما‏)‏ والأمر للاستحباب‏.‏

989- باب ما جاءَ ما يُؤْكَلُ مِنْ صَيْدِ الْكَلْبِ وما لا يؤْكَل

1466- حدثنا أحمدُ بنُ مَنِيعٍ، حدثنا يزيدُ بنُ هارونَ، حدثنا الحجاجُ عن مكحولٍ عن أبي ثَعْلَبَةَ، و الحجاجُ عن الوليدِ بنِ أبي مالكٍ عن عائذِ الله بنِ عبدِ الله أنه سَمِعَ أبا ثَعْلَبَةَ الخُشنِيّ قال‏:‏ قلت‏:‏ ‏"‏يَا رسولَ الله إنّا أهلُ صَيْدٍ‏.‏ إذا‏:‏ إذا أرسلْتَ كَلْبَكَ وذكَرْتَ اسمَ الله عليهِ فأَمْسَكَ عليكَ فَكُلْ‏.‏ قلت‏:‏ وإنْ قَتَلَ‏.‏ قال‏:‏ وإنْ قَتَلَ‏.‏ قلت‏:‏ إنّا أهْلُ رَمْىٍ‏.‏ قال‏:‏ ما رَدّتْ عليكَ قَوْسُكَ فَكُلْ‏.‏ قال‏:‏ قلت‏:‏ إنّا أهْلُ سَفَرٍ نَمُرّ باليهودِ والنصارَى والمَجُوسِ فلا نَجِدُ غيرَ آنِيَتهِمْ‏.‏ قال‏:‏ فإنْ لم تَجِدُوا غيرَها فاغْسِلُوها بالماءِ ثم كُلُوا فيها واشربوا‏"‏‏.‏

قال‏:‏ وفي البابِ عن عَدِيّ بنِ حاتمٍ‏.‏

قال أبو عيسى هذا حديثٌ حسنٌ صحيح‏.‏ وعائذُ الله بن عبدالله هو أبو إدريس الخولانيّ واسمه أبي تعلبز الخشنى جرثوم وتعالى‏:‏ جرثم بن ناشب ويقال ابن قيس‏.‏

1467- حدثنا محمودُ بنُ غَيْلاَنَ، حدثنا قَبِيصَةُ سُفْيَان عن منصورٍ عن إبراهيمَ عن هَمّامِ بنِ الحارِثِ عن عَدِيّ بنِ حاتمٍ قال‏:‏ قلت‏:‏ ‏"‏يَا رسولَ الله إنّا نُرْسِلُ كِلاَباً لَنَا مُعَلّمَةً‏.‏ قال‏:‏ كُلْ ما أمْسَكْنَ عَلَيْكَ‏.‏ قلت‏:‏ يَا رسولَ الله، وإنْ قَتَلْنَ‏؟‏ قال‏:‏ وإنْ قَتَلْنَ، ما لم يَشْرَكْها كَلْبٌ غيرها‏.‏ قال‏:‏ قلت‏:‏ يَا رسولَ الله، إنّا نَرْمِي بالْمِعراضِ‏.‏ قال‏:‏ ما خَزَقَ فَكُلْ، وما أصابَ بِعَرْضِهِ فلا تأْكُلْ‏"‏‏.‏

حدثنا محمدُ بنُ يَحْيَى، حدثنا محمدُ بنُ يُوسُفَ، حدثنا سُفْيَانُ عن منصورٍ نحوَهُ، إلا أنه قال‏:‏ وسُئِلَ عن المَعراضِ‏.‏

قال أبو عيسى هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إنا نرسل كلاباً لنا معلمة‏)‏ المراد بالمعلمة التي إذا أغراها صاحبها على الصيد طلبته، وإذا زجرها انزجرت، وإذا أخذ الصيد حبسته على صاحبها، وهذا الثالث مختلف في اشتراطه‏.‏ واختلف متى يعلم ذلك منها، فقال البغوي في التهذيب‏:‏ أقله ثلاث مرات‏.‏ وعن أبي حنيفة وأحمد يكفي مرتين‏.‏ وقال الرافعي‏:‏ لم يقدره المعظم لاضطراب العرف واختلاف طباع الجوارح فصار المرجع إلى العرف كذا في الفتح ‏(‏كل ما أمسكن عليك‏)‏ وفي رواية للبخاري إذا أرسلت كلبك وسميت فكل‏.‏ قلت‏:‏ فإن أكل، قال فلا تأكل فإنه لم يمسك عليك إنما أمسك على نفسه‏.‏ وفي رواية أخرى له إذا أرسلت كلابك المعلمة وذكرت اسم الله فكل مما أمسكن عليك وإن قتلن، إلا أن يأكل الكلب فإني أخاف أن يكون إنما أمسكه على نفسه‏.‏

قال الحافظ‏:‏ وفيه تحريم أكل الصيد الذي أكل الكلب منه ولو كان الكلب معلماً‏.‏ وقد علل في الحديث بالخوف من إنما أمسك على نفسة، وهذا قول الجمهور، وهو الراجح من قولي الشافعى‏.‏ وقال في القديم‏:‏ وهو قول مالك، ونقل عن بعض الصحابة يحل، واحتجوا بما ورد في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن أعرابياً يقال له أبو ثعلبة قال‏:‏ يا رسول الله إن كلاباً مكلبة فأفتى في صيدها، قال‏:‏ كل مما أمسكن عليك، قال وإن أكل منه قال‏:‏ وإن أكل منه‏.‏ أخرجه أبو داود ولا بأس بسنده‏.‏

وسلك الناس في الجمع بين الحديثين طرقاً منها للقائلين بالتحريم حمل حديث أبي ثعلبة على ما إذا قتله وخلاه ثم عاد فأكل منه، ومنها الترجيح، فرواية عدى في الصحيحين متفق على صحتها، ورواية أبي ثعلبه المذكورة في غير الصحيحين مختلف في تضعيفها، وأيضاً فرواية عدى صريحة مقرونة بالتعليل المناسب للتحريم وهو خوف الإمساك على نفسه متأيدة بأن الأصل في الميتة التحريم، فإذا شككنا في السبب المبيح رجعنا الى الأصل وظاهر القرآن أيضاً وهو قوله تعالى‏:‏ ‏(‏فكلوا مما أمسكن عليكم‏)‏ فإن مقتضاها أن الذي يمسكه من غير إرسال لا يباح‏.‏ ويتقوى أيضاً بالشاهد من حديث ابن عباس عند أحمد‏:‏ إذا أرسلت الكلب فأكل الصيد فلا تأكل فإنما أمسك على نفسه، وإذا أرسلته فقتل ولم يأكل فكل، فإنما أمسك على صاحبه، وأخرجه البزار من وجه آخر عن ابن عباس وابن أبي شيبة من حديث أبي رافع نحوه بمعناه‏.‏ ومنها للقائلين بالإباحة حمل حديث عدى على كراهة التنزيه‏.‏ وحديث أبي ثعلبة علي بيان الجواز انتهى ‏(‏وإن قتلن ما لم يشركها كلب من غيرها‏)‏ وفي رواية للبخاري قلت‏:‏ أرسل كلبي فأجد معه كلباً آخر، قال لا تأكل فإنك إنما سميت على كلبك ولم تسم على الاَخر‏.‏ وفيه أنه لا يحل أ كل ما شاركه فيه كلب آخر في اصطياده‏.‏ قال الحافظ محله إذا استرسل بنفسه أو أرسله من ليس من أهل الزكاة، فإن تحقق أنه أرسله من هو من أهل الزكاة حل، ثم ينظر فإن أرسلاهما معاً فهو لهما وإلا فللأول، ويؤخذ ذلك من العليل في قوله‏:‏ إنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره، فإنه يفهم منه أن المرسل لو سمي على الكلب لحل ‏(‏إنا نرمي بالمعراض‏)‏ بكسر الميم وسكون العين المهملة وآخره معجمة، قال الخليل وتبعه جماعة‏:‏ سهم لا ريش له ولا نصل‏.‏ وقال ابن دريد وتبعه ابن سيده‏:‏ سهم طويل له أربع قذذ رقاق فإذا رمى به اعترض‏.‏ وقال الخطابي‏:‏ المعراض نصل عريض له ثقل ورزانة، وقيل‏:‏ عود رقيق الطرفين غليظ الوسط وهو المسمى بالخذافة، وقيل‏:‏ خشبة ثقيلة آخرها عصا محدد رأسها وقد لا يحدد، وقوى هذا الأخير النووي تبعاً لعياض‏.‏ وقال القرطبي‏:‏ إنه المشهور‏.‏ وقال ابن التين‏:‏ المعراض عصا في طرفها حديد يرمي الصائد بها الصيد فما أصاب بحده فهو ذكي فيؤكل، وما أصاب بغير حده فهو وقيذ، كذا في الفتح ‏(‏ما خزق‏)‏ بفتح الخاء المعجمة والزاى بعدها قاف، أي نفذ يقال سهم خازق أي نافذ ‏(‏وما أصاب بعرضه‏)‏ بفتح العين أي بغير طرفه المحدد، وهو حجة للجمهور في التفصيل المذكور‏.‏ وعن الأوزاعي من فقهاء الشام حل ذلك

قوله‏:‏ ‏(‏وهذا حديث حسن صحيح‏)‏ أصله في الصحيحين‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ما ردت عليك قوسك‏)‏ أي ما صدت بسهمك ‏(‏فان لم تجدوا غيرها فاغسلوا بالماء ثم كلوا فيها واشربوا‏)‏ قال البرماوي‏:‏ ظاهره أنه لا يستعمل آنيتهم بعد الغسل إذا وجد غيرها‏.‏ وقد قال الفقهاء يجوز استعمال آنيتهم بعد الغسل بلا كراهية سواء وجد غيرها أو لا، فتحمل الكراهية في الحديث على أن المراد الاَتية التى كانوا يطبخون فيها لحوم الخنزير ويشربون فيها الخمر، وإنما نهى عنها بعد الغسل للاستقذار وكونها معتادة النجاسة‏.‏ ومراد الفقهاء الأواني التي ليست مستعملة في النجاسات غالباً، وذكره أبو داود في سنته صريحاً‏.‏ قال النووي‏:‏ ذكر هذا الحديث البخاري ومسلم مطلقاً وذكره أبو داود مقيداً قال‏:‏ إنا نجاور أهل الكتاب وهم يطبخون في قدورهم الخنزير ويشربون في آنيتهم الخمر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ إن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها الحديث، ثم ذكر مثل ما تقدم في كلام البرماوي وقال‏:‏ فالنهي بعد الغسل للاستقذار كما يكره الأكل في المحجمة، المغسولة كذا في المرقاة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن عدي بن حاتم‏)‏ أراد الترمذي به غير حديث المذكور وله في الباب أحاديث عديدة‏.‏

قوله وهذا حديث حسن أصله في الصحيحين ‏(‏وعائذ الله أبو إدريس الخولانى‏)‏ ولد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين، وسمع من كبار الصحابة‏.‏ مات سنة ثمانين‏.‏

990- باب ما جاءَ في صَيْدِ كَلْبِ المَجُوس

1468- حدثنا يُوسُفُ بنُ عِيسَى، حدثنا وَكِيعٌ، حدثنا شَرِيكٌ عن الحجّاجِ عن القاسمِ بنِ أبي بَزّةَ عن سُلَيْمانَ الْيَشْكُرِيّ عن جابرِ بنِ عبدِ الله قال‏:‏ نُهِينَا عن صَيْدِ كَلْبِ المجوس‏.‏

قال أبو عيسى هذا حديثٌ غريبٌ لا نعرفهُ إلا من هذا الوجهِ‏.‏ والعملُ على هذا عند أكثر أهلِ العِلمِ لا يُرَخّصُونَ في صَيْدِ كَلْبِ المجوسِ‏.‏ والقاسمُ بنُ أبي بَزّةَ هو القاسمُ بنُ نافِعٍ المكيّ‏.‏

‏(‏عن سلمان اليشكري‏)‏ يفتح التحتانية بعدها معجمة ساكنة وبكاف مضمومة هو ابن قيس البصري ثقة من الثالثة ‏(‏نهينا‏)‏ بصيغة المجهول عن ‏(‏صيد كلب المجوس‏)‏ فيه دليل على أن من لا تحل ذبيحته من الكفرة لا يحل صيد جارحة أرسلها هو‏.‏ في شرح السنة يحل ما اصطاد المسلم بكلب المجوس ولا يحل ما اصطاده المجوسي بكلب المسلم إلا أن يدركه المسلم حياً فيذبحه، وإن اشترك مسلم ومجوسي في إرسال كلب أو سهم على صيد فأصابه وقتله فهو حرام انتهى‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة في مصنفيهما عن علي رضي الله تعالى عنه‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب الى مجوسى هجر يعرض عليهم الإسلام، فمن أسلم قبل منه ومن لم يسلم ضرب عليهم الجزية غير ناكحي نسائهم ولا آكلي ذبائحهم‏.‏ قال القاري‏:‏ وقد قال علماؤنا شرط كون الذابح مسلماً لقوله تعالى ‏(‏إلا ما ذكيتم‏)‏، وكتابياً ولو كان الكتابي حربياً لقوله تعالى‏:‏ ‏(‏وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم‏)‏، والمراد به مذكاتهم لأن مطلق الطعام غير المذكي يحل من أي كافر كان، ويشترط أن لا يذكر الكتابي غير الله عند الذبح حتى لو ذبح بذكر المسيح أو عزير لا تحل ذبيحته لقول تعالى‏:‏ ‏(‏وما أهل لغير الله به‏)‏ لا من لا كتاب له مجوسياً لما سبق أو وثنياً، لأنه مثل المجوس في عدم التوحيد انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا الحديث غريب الخ‏)‏ في إسناده شريك وهو ابن عبد الله النخعي الكوفي وحجاج وهو ابن أرطأة صدوق كثير الخطأ والتدليس ‏(‏والقاسم بن أبي بزة هو القاسم بن نافع المكي‏)‏ قال في تهذيب التهذيب‏:‏ القاسم بن أبي بزة واسمه نافع، ويقال يسار، ويقال نافع بن يسار المكي أبو عبد الله، ويقال أبو عاصم القارى المخزومي مولاهم‏.‏ روى عن سليمان بن قيس وغيره‏.‏ وعنه حجاج بن أرطأة وغيره‏.‏ قال ابن معين والمجلى والنسائى ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات وقال‏:‏ ولم يسمع التفسير من مجاهد أحد غير القاسم وكل من يروي عن مجاهد التفسير فأنما أخذه من كتاب القاسم انتهى‏.‏

991- باب ما جاءَ في صَيْدِ الْبُزَاةِ‏.‏

1469- حدثنا نَصْرُ بنُ عليّ وَ هَنّادٌ و أبو عمّارٍ، قالوا‏:‏ حدثنا عِيسَى بنَ يُونُسَ عن مجالدٍ عن الشعبِيّ عن عَدِيّ بنِ حاتمٍ قال‏:‏ ‏"‏سألْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن صَيْدِ الْبَازِي‏؟‏ فقال‏:‏ ‏"‏ما أمْسَكَ عليكَ فَكُلْ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى هذا حديثٌ لا نعرِفُهُ إلا من حديثِ مجالِدٍ عن الشعبيّ‏.‏ والعملُ على هذا عند أهلِ العِلْمِ‏:‏ لا يَرَوْنَ بِصَيْدِ الْبُزَاةِ وَالصّقُورِ بأْساً‏.‏ وقال مجاهدٌ‏:‏ البزاةُ هو الطّيْرُ الذي يُصَادُ به من الجوارحِ التي قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وما عَلّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ‏}‏ فَسّرَ الكلابَ والطيرَ الذي يُصَادُ به‏.‏ وقد رَخّصَ بعضُ أهلِ الْعِلْمِ في صَيْد البازي وإن أكَلَ منه، وقالوا‏:‏ إنما تعليمُهُ إجابتُهُ، وكَرِهَهُ بعضُهم والفقهاءُ أكثرُهم قالوا‏:‏ نأْكُلُ وإن أكَلَ منه‏.‏

بضم الموحدة جمع البازى قال في القاموس‏:‏ البازي ضرب من الصقور وقال فيه‏:‏ الصقر كل شيء يصيد من البزاة والشواهين‏.‏ قال‏:‏ الدميري في حياة الحيوان‏:‏ البازي أفصح لغاته مخففة الياء والثانية باز والثالثة بازي بتشديد الياء حكاهما ابن سيده وهو مذكر لا اختلاف فيه، ويقال في التثنية بازيان وفي الجمع بزاة كفاضيان وقضاة، ويقال للبزاه والشواهين وغيرهما مما يصيد صقور، وهو أشد الحيوان تكبراً وأضيقها خلقاً انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ما أمسك عليك فكل‏)‏ وفي رواية أبي داود‏:‏ ما علمت من كلب أو باز ثم أرسلته وذكرت اسم الله فكل مما امسك عليك، قلت‏:‏ وإن قتل قال‏:‏ إذا قتل ولم يأكل منه شيئاً فإنما أمسكه عليك‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث لا نعرفه ألا من حديث مجالد عن الشعبي‏)‏ قال المنذري‏:‏ واخرجه الترمذي محتصراً، وقال بعد ذكر كلام الترمذي هذا‏:‏ ومجالد هذا هو ابن سعيد وفيه مقال انتهى‏.‏ قال في التقريب‏:‏ مجالد بضم أوله وتخفيف الجيم ابن سعيد بن عمير الهمداني بكن الميم أبو عمرو الكوفي ليس بالقوي، وقد تغير في آخر عمره من صغار السادسة انتهى‏.‏ قلت‏:‏ أخرج هذا الحديث أيضاً البيهقي وقال تفرد مجالد يذكر الباز فيه وخالف الحفاظ انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏والعمل على هذا عند أهل العلم لا يرون بصيد البزاز والصقور بأساً‏)‏ قال الحافظ‏:‏ وفي معنى الباز الصقر والعقاب والباشق والشاهين ‏(‏وقال مجاهد‏:‏ البزاة والطير الذي يصاد به‏)‏ من الجوارح التي قال الله تعالى‏:‏ وما علمتم من الجوارح فسر الكلاب والطير الذي يصاد به قال الحافظ‏:‏ وقد فسر مجاهد الجوارح في الاَية بالكلاب والطيور وهو قول الجمهور إلا ما روى عن عمر وابن عباس من الفرقة بين صيد الكلب والطير، وقد رخص بعض أهل العلم صيد البازي وإن أكل منه وقالوا إنما تعليمه إجابته‏.‏ قال أبو داود في سنته بعد رواية حديث الباب‏:‏ الباز إذا أكل فلا بأس به، والكلب إذا أكل كره وإن شرب الدم فلا بأس، انتهى‏.‏ ‏(‏والفقهاء أكثرهم قالوا يأكل وإن أكل منه‏)‏ الظاهر أن قولهم هذا مبني على تعليم البازى إنما هو إجابته والله تعالى أعلم‏.‏

992- باب ما جاء في الرّجُلِ يَرْمِي الصّيْدَ فَيَغِيبُ عَنْه

1470- حدثنا محمودُ بنُ غَيْلاَنَ، حدثنا أبو دَاوُدَ أخبرنا شُعْبَةُ عن أبي بِشْرٍ قال‏:‏ سَمِعْتُ سعيدَ بنَ جُبَيْرٍ يُحَدّثُ عن عَدِيّ بنِ حَاتمٍ قال‏:‏ قلت‏:‏ يَا رسولَ الله، أَرْمِي الصّيْدَ فأَجِدُ فيه من الْغَدِ سَهْمِي‏.‏ قال‏:‏ ‏"‏إذا عَلِمْتَ أَنّ سَهْمَكَ قَتَلَهُ ولم تَرَ فيه أثرَ سَبْعٍ فَكُلْ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏ والعملُ على هذا عند أهلِ العِلمِ‏.‏ ورَوَى شُعْبَةُ هذا الحديثَ عن أبي بِشْرٍ وعبدِ المَلِكِ بنِ مَيْسَرَةَ عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ عن عَدِيّ بنِ حاتمٍ وعن أبي ثعلبة الخشنّى مثله‏.‏ وكلا الحديثَيْنِ صحيحٌ‏.‏

وفي البابِ عن أبي ثعلبةَ الخُشنِيّ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فأجد فيه من الغد سهمي‏)‏ أي في بعض زمن الاستقبال، فمن للتبعيض كقوله تعالى‏:‏ ‏(‏منهم من كلم الله‏)‏ أو بمعنى في كقوله تعالى‏:‏ ‏(‏إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة‏)‏ وهو الأظهر‏.‏ وقال الطّيبي‏:‏ من فيه زائدة كما في قوله تعالى‏:‏ ‏(‏لله الأمر من قبل ومن بعد‏)‏ كذا في المرقاة ‏(‏إذا علمت أن سهمك قتله ولم تر فيه أثر سبع فكل‏)‏ قال ابن الملك‏:‏ وإن رأيت فيه أثر سبع فلا تأكل، لأنه لا يعلم سبب قتله يقيناً‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ أخرجه أبو داود والنسائي والطحاوي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن أبي ثعلبة الخشني‏)‏ أخرجه أبو داود وفيه قال‏:‏ يا رسول الله أفتني في قوسي‏؟‏ قال‏:‏ كل ما ردت عليك قوسك، قال ذكياً وغير ذكى‏؟‏ قال وأن تغيب عني‏؟‏ قال وأن تغيب عنك، ما لم يصل أو تجد فيه أثراً غير سهمك‏.‏ وقوله ما لم يصل بتشديد اللام‏:‏ أي ما لم ينتن ويتغير ريحه، يقال صل اللحم وأصل‏:‏ لغتان‏.‏

993- باب ما جاءَ فِيمَنْ يَرْمِي الصّيْدَ فَيَجِدُهُ مَيّتاً في الْمَاء

1471- حدثنا أحمدُ بنُ مَنِيعٍ حدثنا عبد الله بن المبارك، أخبرني عاصمٌ الأحْوَلُ عن الشعبيّ عن عَدِيّ بنِ حاتمٍ قال‏:‏ سألْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن الصّيْدِ فقال‏:‏ ‏"‏إذَا رَمَيْتَ بِسَهْمِكَ فَاذْكُرِ اسْمَ الله، فَإِنْ وَجَدْتَهُ قَدْ قتلَ فَكُلْ إِلاّ أنْ تَجِدَهُ قَدْ وَقَعَ في مَاء فلا تَأْكُلْ فإِنّكَ لا تَدْرِي آلمَاءُ قَتَلَهُ أوْ سَهْمُكَ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏:‏

1472- حدثنا ابنُ أبِي عمرَ، حدثنا سُفْيَانُ عَنْ مُجَالِدٍ عَنْ الشعبيّ عَنْ عديّ بنِ حَاتمٍ قَالَ‏:‏ ‏"‏سألتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عَن صَيْدِ الكَلْبِ الْمُعَلّمِ، قَالَ‏:‏ إذَا أرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلّمَ وَذَكَرْتَ اسمَ الله فَكُلْ مَا أمْسَكَ عَلَيْكَ، فَإِنْ أكَلَ فَلاَ تَأكُلْ فَإِنّمَا أمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ، قلت‏:‏ يَا رسولَ الله، أرَأَيْتَ إنْ خَالَطَتْ كِلاَبَنَا كِلابٌ أُخر‏؟‏ قال‏:‏ إنّمَا ذَكَرْتَ اسمَ الله عَلَى كَلْبِكَ، ولَمْ تذكُرْ عَلَى غيرِهِ‏"‏‏.‏

قَالَ سُفْيَانَ‏:‏ أكرهَ لَهُ أَكْلَهُ‏.‏

قال أبو عيسى والعملُ عَلَى هَذَا عندَ بعضِ أهل العلم من أصحابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وغيرِهم في الصيدِ والذّبيحةِ إذَا وَقَعَا في الماءِ‏:‏ أن لاَ يأْكُلَ‏.‏

فقالَ بَعْضُهُمْ في الذّبيحةِ‏:‏ إذَا قطع الحُلْقوم فوقَعَ في الماءِ فماتَ فيهِ فإنه يؤكلُ‏.‏ وهو قولُ عبدالله بنِ المباركِ‏.‏ وقد اختلفَ أهْلُ العلمِ في الكَلْبِ إذَا أكَلَ من الصيدِ، فقال أكثرُ أهلِ العِلمِ‏:‏ إذ أكَلَ الكلبُ مِنه فَلاَ تأكلُ‏.‏ وهو قولُ سفيانَ وعبدِ الله بنِ المباركِ والشافعيّ وأحمدَ وإسحاقَ‏.‏

ورخّصَ بعضُ أهلِ الْعِلْمِ من أصحابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وغيرهم في الأكلِ مِنْهُ وإن أكلَ الكلبُ مِنْهُ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إلا أن تجده قد وقع في ماء فلا تأكل‏)‏ وجهه أنه يحصل حينئذ التردد هل قتله السهم أو الغرق في الماء، فلو تحقق أن السهم أصابه فمات فلم يقع في الماء ألا بعد أن قتله السهم حل أكله‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه الشيخان‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيد الكلب المعلم الخ‏)‏ ليس في هذا الحديث ذكر وجدان الصيد ميتاً في الماء فلا مناسبة بينه وبين الباب ألا أن يقال أن في هذا الحديث ذكر مسألة ما إذا خالطت الكلاب المعلمة كلاباً أخرى، ويستنبط من ذلك مسألة ما إذا وجد الصيد ميتاً في الماء فتفكر‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏قال سفيان كره له أكله‏)‏ يعني المقصود من قوله صلى الله عليه وسلم أنما ذكرت اسم الله على كلبك أنه كره أكل صيد الكلب المعلم إذا خالطه كلب آخر ‏(‏وقال بعضهم في الذبيحة إذا قطع الحلقوم فوقع قي الماء فمات فيه فإنه يؤكل‏)‏‏.‏ قال النووي في شرح مسلم‏:‏ إذا وجد الصيد في الماء غريقاً حرم بانفاق انتهى‏.‏ وقد صرح الرافعي بأن محله ما لم ينته الصيد بتلك الجراحة إلى حركة المذبوح فإن انتهى إليها لقطع الحلقوم مثلا فقد تمت ذكاته كذا في النيل ‏(‏وقد اختلف أهل العلم في الكلب إذا أكل من الصيد، فقال أكثر أهل العلم‏:‏ إذا أكل الكلب منه فلا يأكل الخ‏)‏ وهو القول الراجح كما عرفت فيما تقدم‏.‏

994- باب ما جَاءَ في صيدِ المِعْراض

‏(‏باب ما جاء في صيد المعراض‏)‏ بكسر الميم وسكون العين المهملة، تقدم تفسيره في باب ما يؤكل من صيد الكلب وما لا يؤكل‏.‏

1473- حدثنا يوسُفُ بنُ عيسَى، حدثَنَا وكيعٌ، حدثنا زكَرِيّا عن الشّعْبِيّ عن عَدِيّ بن حاتمٍ قَالَ‏:‏ سألتُ النبيّ صلى الله عليه وسلم عَن صيدِ المعْرَاضِ، فقال‏:‏ ‏"‏ما أصَبْتَ بحدّه فكُلْ وما أصبتَ بِعَرْضِهِ فهو وقيذٌ‏"‏‏.‏

حدثنا ابنُ أبي عُمَر، حدثنا سُفْيَانُ عن زكَرِيّا عن الشّعْبِيّ عن عَدِيّ بنِ حاتمٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم نحوَه‏.‏

قال أبو عيسى هذا حديثٌ صحيحٌ والعملُ عليه عندَ أهلِ الْعِلْمِ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ما أصبت بحده‏)‏ أي بطرفه المحدد وفي رواية كل ما خرق وما أصبت بعرضه بفتح العين وسكون الراء أي بغير طرفه المحدد فهو وقيذ‏.‏ زاد في رواية للبخاري‏:‏ فلا تأكل، ووقيذ بالذال المعجمة بوزن عظيم فعيل بمعنى مفعول‏:‏ وهو ما قتل بعصا أو بحجر أو ما لا حد له‏.‏ وحاصل الحديث أن السهم وما في معناه إذا أصاب الصيد بحده حل وكانت تلك زكاته، وإذا أصاب بعرضه لم يحل لأنه في معنى الخشبة الثقيلة والحجر ونحو ذلك من المثقل‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث صحيح‏)‏ وأخرجه الشيخان‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏والعمل عند أهل العلم‏)‏ أي على التفصيل المذكور في الحديث‏.‏

995- باب ما جاءَ في الذّبْح بالمرْوَة

‏(‏باب ما جاء في الذبح بالمروة‏)‏ بفتح الميم وسكون الراء المهملة‏:‏ هي الحجارة البيضاء، وبه سميت مروة مكة‏.‏ وفي المغرب‏:‏ المروة حجر أبيض دقيق، وقال في القاموس‏:‏ المروة حجارة بيض براقة ثوري النار أو أصلب الحجارة‏.‏ وقال في المجمع‏:‏ هي حجر أبيض، ويجعل منه كالسكين

1474- حدثنا محمدُ بنُ يَحيى القطعي، حدثنا عبدُ الأعْلَى عن سعيدٍ عن قتادةَ عن الشّعْبِيّ عن جابرِ بنِ عبدِ الله‏:‏ أنّ رجُلاً من قَوْمِه صادَ أرْنَباً أوْ اثْنَيْنِ فذَبَحَهُمَا بِمَرْوَةٍ فتعَلّقهما حتّى لَقِيَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فسأَلَهُ، فأَمَرَهُ بأكلِهما‏.‏

قال وفي البابِ عن محمدِ بنِ صَفْوَانَ ورافعٍ وعَدِيّ بنِ حاتمٍ‏.‏

قال أبو عيسى وقد رخّصَ بعضُ أهلِ الْعِلْمِ أن يُذَكّيَ بمروَةٍ ولم يرَوْا بأكْلِ الأرنبِ بأْساً، وهو قولُ أكثرَ أهلِ الْعِلْمِ، وقد كَرِهَ بعضُهم أكلَ الأرنبِ‏.‏ وقد اختلَفَ أصحابُ الشعبيّ في روايةِ هذا الحديث، فَرَوَى دَاودُ بنُ أبي هندٍ عن الشعبي عن محمدِ بنِ صَفْوَانَ‏.‏ وَرَوَى عاصمُ الأحولُ عن الشّعْبِيّ عن صفوانَ بنِ محمدٍ أو محمدِ بنِ صَفْوَانَ ومحمدُ بنُ صفوانَ أصحّ‏.‏

ورَوَى جَابِرٌ الجُعْفي عن الشّعْبِيّ عن جابرِ بنِ عبدِ الله نحوَ حديثِ قَتَادَةَ عن الشعبيّ، ويُحْتَمَلُ أن رواية الشعبي عَنْهُمَا، قال محمدٌ‏:‏ حديثٌ الشعبيّ عن جَابِرٍ غيرُ محفُوظٍ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏صاد أرنباً‏)‏ بوزن جعفر، يقال بالفارسية خركوش ‏(‏أو اثنتين‏)‏ شك من الراوي ‏(‏فتعلقهما‏)‏ أي علقها‏.‏ قال في القاموس‏:‏ علقه تعليقاً جعله معلقاً كتعلقة ‏(‏فأمره بأكلهما‏)‏ فيه دليل على أنه يجوز الذبح بالمروة، وعلى أن الأرنب حلال‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن محمد بن صفوان ورافع وعدى بن حاتم‏)‏ وأما حديث محمد بن صفوان فأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجة‏.‏ وأما حديث رافع وهو ابن خديج فأخرجه الشيخان والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجة‏.‏ وأما حديث عدى بن حاتم فأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وهو قول أكثر أهل العلم‏)‏ وهو الحق يدل عليه حديث الباب‏.‏ وحديث أنس قال‏:‏ أنفجنا أرنباً ونحن بمر الظهران، فسعى القوم فغلبوا فأخذتها فجئت بها إلى أبي طلحه فذبحها فبعث بوركيها أو قال بفخذيها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقبلها، قال الحاقظ في الفتح‏:‏ في الحديث جواز أكل الأرنب وهو قول العلماء كافة إلا ما جاء في كراهتها عن عبد الله بن عمر من الصحابة وعن عكرمة من التابعين‏.‏ وعن محمد بن أبي ليلى من الفقهاء، واحتج بحديث خزيمة بن جزء قلت‏:‏ يا رسول الله ما نقول في الأرنب قال‏:‏ لا آكله ولا أحرمه قلت‏:‏ فإني آكل ما لا تحرمه ولم يا رسول الله قال‏:‏ نبئت أنها تدمى‏.‏ وسنده ضعيف، ولو صح لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم فلم يأكلها ولم ينه عنها‏.‏ زعم أنها تحيض‏.‏ أخرجه أبو داود‏.‏ وله شاهد عن عمر عند إسحاق بن راهوية في مسنده، وحكى الرافعي عن أبي حنيفة أنه حرمها وغلطه النووي في النقل عن أبي حنيفة انتهى ‏(‏وقد كره بعضهم أكل الأرنب‏)‏ وقد عرفت أسمائهم وما احتجوا به‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وروى عاصم الأحول عن الشعبي عن صفوان‏)‏ بن محمد أو محمد بن صفوان أي رواه بالشك ورواية عاصم هذه أخرجها أبو داود ‏(‏ومحمد بن صفوان أصح‏)‏‏.‏ وقال الطبراني‏:‏ محمد بن صفوان هو الصواب‏.‏ وقال ابن عبد البر‏:‏ صفوان بن محمد أكثر كذا في تهذيب التهذيب ‏(‏ويحتمل أن يكون الشعبى روى عنهما جميعاً‏)‏ أي عن محمد بن صفوان وجابر بن عبد الله كليهما‏.‏

996- باب ما جاءَ في كَرَاهِيَةِ أكْلِ المَصْبُورَة

‏(‏باب ما جاء في كراهية أكل المصبورة‏)‏ أي التي تحبس وترمى بالنبل حتى تموت‏.‏

1475- حدثنا أبو كُرَيْبٍ، حدثنا عبدُ الرحيمِ بنُ سليمانَ عن أبي أيوبَ الإفريقيّ عن صَفوانَ بنِ سُلَيْمٍ عن سعيدِ بنِ المسَيّبِ عن أبي الدرداءِ قال‏:‏ نَهَى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عَنْ أكْلِ المُجَثّمَةِ، وهي التي تُصْبَرُ بالنّبْلِ‏.‏

قال وفي الباب عن عِرْبَاضِ بنِ ساريةَ وأنَسٍ وابنِ عمرَ وابنِ عباسٍ وجابرٍ وأبي هريرةَ‏.‏

قال أبو عيسى حديثُ أبي الدرداءِ حديثٌ غريبٌ‏.‏

1476- حدثنا محمدُ بن يَحيى وغيرُ واحدٍ قالوا‏:‏ حدثنا أبو عاصمٍ عن وَهْبِ بنِ أبي خالدٍ، قال حدثَتْني أُمّ حبيبةَ بنتُ العِرباضِ وهو ابنِ ساريةَ عن أبيها أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم نَهَى يَوْم خيبرَ عن لجوم كلّ ذِي نَابٍ من السّبَاعِ وعن كلّ ذِي مَخْلَبٍ من الطيرِ وعن لُحومِ الْحُمُرِ الأهليةِ وعن المُجَثّمَةِ وعن الْخَلِيسَةِ وأن تُوطَأَ الْحَبَالَى حتى يَضَعْنَ ما في بُطونِهِنّ‏.‏ قال محمدُ بنُ يَحيى‏:‏ سُئِلَ أبو عاصمٍ عن المجثّمَةِ قال‏:‏ أن يُنْصَبَ الطّيْرُ أو الشيءُ فيُرْمَى‏.‏ وسئل عن الْخَلِيسةِ فقال‏:‏ الذئبُ أو السبعُ يدرِكُهُ الرجلُ فيأخذُه منهُ فيموتُ في يدِه قبل أن يُذَكّيهَا‏.‏

1477- حدثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلَى، حدثنا عبدُ الرزّاقِ عن الثوريّ عن سِمَاكٍ عن عِكْرِمَةَ عن ابنِ عباسٍ قال‏:‏ ‏"‏نَهَى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أن يُتّخَذَ شيءٌ فيه الرّوحُ غَرَضاً‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى حديثٌ حسنٌ صحيح والعمل عليه عند أهل العلم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن أكل المجثمة‏)‏ بتشديد المثلثة المفتوحة وضبطه الشمني بكسرها، قال في النهاية‏:‏ هي كل حيوان ينصب ويرمى ليقتل، إلا أنه يكثر في الطير والأرنب وأشباه ذلك مما يجثم بالأرض أي يلزمها ويلتصق بها ‏(‏وهي التي تصبر‏)‏ أي تحبس ويرمي إاليها ‏(‏بالنبل‏)‏ يفتح النون وسكون الموحدة أي بالسهم حتى تموت، وهذا تفسير من أحد الرواة، والنهي لأن هذا القتل ليس بذبح‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن عرباض بن سارية وأنس وابن عمر وابن عباس وجابر وابي هريرة‏)‏ أما حديث العرباض فأخرجه الترمذي في هذا الباب‏.‏ وأما حديث أنس فأخرجه البخاري ولفظه‏:‏ نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن تصبر البهائم‏.‏ وأما حديث ابن عمر فأخرجه الشيخان عنه قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهي عن أن تصبر بهيمة أو غيرها للقتل‏.‏ وأما حديث ابن عباس فأخرجه الترمذي في هذا الباب‏.‏ وأما حديث جابر وأبي هريرة فلينظر من أخرجه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن كل ذي ناب‏)‏ أي عن أكله ‏(‏من السباع‏)‏ أي سباع البهائم كالأسد والنمر والفهد والدب والقردة والخنزير ‏(‏وعن كل ذي مخلب‏)‏ بكسر الميم وفتح اللام ‏(‏من الطير‏)‏ أي عن أكل سباعه، في شرح السنة اراد بكل ذي ناب ما يعدو بنايه على الناس واموالهم كالذئب والأسد والكلب ونحوها، وأراد بذي مخلب ما يقطع ويشق بمخلبه كالنسر والصقر والبازي وغيرها ‏(‏وعن لحوم الحمر‏)‏ بضمتين جمع حمار ‏(‏الأهلية‏)‏ أي الإنسية ضد الوحشية ‏(‏وعن المجثمة‏)‏ سبق ذكرها، وسيأتى أيضاً ‏(‏وعن الخليسة‏)‏ أي المأخوذة من فم السباع فتموت قبل أن تذكى، وسميت بذلك لكونها مخلوسة من السبع أي مسلوبة من خلس الشيء‏:‏ إذا سلبه ‏(‏وأن توطأ‏)‏ أي عن أن تجامع ‏(‏الحبالى‏)‏ بفتح الحاء جمع الحبلى ‏(‏وحتى يضعن ما في بطونهن‏)‏ يعني إذا حصلت لشخص جارية حبلى لا يجوز وطؤها حتى تضع حملها‏.‏ قال القاري‏:‏ وكذا إذا تزوج حبلى من الزنا، ذكره بعض علمائها يعني الحنيفة‏.‏ وقال المظهر‏:‏ إذا حصلت جارية لرجل من السبي، لا يجوز له أن يجامعها حتى تضع حملها إذا كانت حاملا، وحتى تحيض وينقطع دمها إن لم تكن حاملا‏.‏ ‏(‏قال محمد بن يحيى‏)‏ شيخ الترمذي وهو القطعي بضم لقاف وفتح الطاء المهملة، وهي جملة معترضة، وضمير هو‏:‏ راجع إلى محمد بن يحيى، وقائلها هو الترمذي‏.‏

997- باب ما جاءَ في ذكاةِ الْجَنِين

‏(‏باب ما جاء في ذكاة الجنين‏)‏ أي في ذبحه، والجنين‏:‏ هو الولد ما دام في بطن أمه‏.‏ قال في النهاية‏:‏ التذكية الذبح والنحر، يقال ذكيت الشاة تذكية، والاسم الذكاة والمذبوح ذكي

1478- حدثنا محمدُ بنُ بشارٍ، حدثنا يَحيى بنُ سعيدٍ عن مُجَالدٍ، حدثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، حدثنا حَفْصُ بنُ غِيَاثٍ عن مُجالدٍ عن أبي الوَدّاكِ عن أبي سعيدٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ قال ‏"‏ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمّهِ‏"‏‏.‏

قال وفي البابِ عن جابرٍ وأبي أُمَامَةَ وأبي الدرداءِ وأبي هريرةَ‏.‏ قال أبو عيسى هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

وقد رُوِيَ من غيرِ هذا الوجهِ عن أبي سعيدٍ‏.‏ والعملُ على هذا عندَ أهلِ الْعِلْمِ من أصحابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وغيرِهِم، وهو قولُ سفيانَ الثوري وابن المباركِ والشافعيّ وأحمدَ وإسحاقَ‏.‏ وأبو الودّاكِ اسمُه جبْرُ بنُ نَوْفٍ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن أبي الوداك‏)‏ يفتح الواو وتشديد الدال المهملة، ويأتي ترجمته في آخر الباب‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ذكاة الجنين ذكاة أمه‏)‏ مرفوعان بالابتداء والخبر، والمراد الاخبار عن ذكاة الجنين بأنها ذكاة أمه، فيحل بها كما تحل الأم بها، ولا يحتاج ألى تذكية‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن جابر وأبي أمامة وأبي الدرداء وأبي هريرة‏)‏ وفي الباب أحاديث أخرى وستعرف تخريجها‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وهذا حديث حسن‏)‏ وأخرجه أيضاً الدارقطني وابن حبان، وصححه وضعفه عبد الحق وقال لا يحتج بأسانيده كلها، وذلك لأن في بعضها مجالداً ولكن أقل أحوال الحديث أن يكون حسناً لغيره لكثرة طرقه، ومجالد ليس إلا في الطريق التي أخرجها الترمذي وأبو داود منها، وقد أخرجه أحمد من طريق ليس فيها ضعيف، والحاكم أخرجه من طريق فيها عطية عن أبي سعيد وعطية فيه لين، وقد صححه مع ابن حبان ابن دقيق العيد كذا في النيل‏.‏

قوله‏:‏‏:‏ ‏(‏والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم قال الحافظ في التخليص‏:‏ قال ابن المنذر‏:‏ إنه لم يرو عن أبي حنيفة انتهى‏.‏ ‏(‏وهو قول سفيان‏)‏ هو الثوري ‏(‏وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق‏)‏‏.‏ وأليه ذهب صاحبا أبي حنيفة، وإليه ذهب أيضاً مالك، واشترط أن يكون قد أشعر‏.‏ وقال أبو حنيفة بتحريم الجنين إذا خرج ميتاً، وإنها لا تغني تذكية الأم عن تذكية‏.‏ قال الإمام محمد في الموطأ‏:‏ أخبرنا مالك أخبرنا نافع أن عبد الله ابن عمر كان يقول‏:‏ إذا نحرت الناقة فذكاة ما في بطنها ذكاتها إذا كان قد تم خلقه ونبت شعره، فإذا خرج من بطنها ذبح حتى يخرج الدم من جوفه‏.‏ وروى عن سعيد بن المسيب أنه كان يقول‏:‏ ذكاة ما كان في بطن الذبيحة ذكاة أمه إذا كان قد نبت شعره وتم خلقه، ثم قال محمد‏:‏ وبهذا نأخذ إذا تم خلقه فذكاته في ذكاة أمه فلا بأس بأكله‏.‏ فأما أبو حنيفة فكان يكره أكله حتى يخرج حياً فيذكى‏.‏ وكان يروى عن حماد عن إبراهيم أنه قال‏:‏ لا تكون ذكاة نقس، ذكاة نفسين انتهى‏.‏

قلت‏:‏ استدلال الإمام أبي حنيفة يقول إبراهيم النخعي هذا على كراهة أكل الجنين ليس بصحيح‏.‏ قال صاحب التعليق الممجد هذا استبعاد بمجرد الرأي فلا عبرة به بمقابلة النصوص، ولعلها لم تبلغه أو حملها على غير معناها، وقال قوله‏:‏ إذا تم يعني إذا خرج من بطن الذبيحة جنين ميت فإن كان تام الخلق نابت الشعر يؤكل، وإن لم يكن تام الخلق فهو مضغة لا تؤكل، وبه قال مالك والليث وأبو ثور‏.‏ وقال أحمد والشافعي‏:‏ بحله مطلقاً‏.‏ وقال أبو حنيفة لا يؤكل مطلقاً، وبه قال زفر والحسن بن زياد، فإن خرج حياً ذبح اتفاقاً‏.‏ ودليل من قال بالحل مطلقاً أو مقيداً بتمام الخلقة حديث ذكاة الجنين ذكاة أمه رواه أحد عشر نفساً من الصحابة‏:‏ الأول أبو سعيد الخدرى أخرج حديثه اللفظ المذكور أبو داود وابن ماجة والترمذي وحسنه، وابن حبان وأحمد‏.‏ الثاني جابر أخرج حديثه أبو سندة عبد الله بن سعيد المقبري متفق والدارقطني وفي سنده عمرو ابن قيس ضعيف‏.‏ الرابع ابن عمر أخرج حديثه راجع الأصل وسنده ضعيف‏.‏ الخامس أبو أيوب أخرج حديثه الحاكم‏.‏ السادس ابن مسعود أخرج حديثه الدارقطني ورجاله رجال الصحيح‏.‏ السابع ابن عباس أخرجه الدارقطني‏.‏ الثامن كعب بن مالك حديثه عند الطبراني التاسع والعاشر أبو أمامة وأبو الدّرداء حديثهما عند البزار والطبراني‏.‏ الحادي عشر علي، حديثه عند الدارقطني‏.‏ قال‏:‏ وأجاب في المبسوط بأن حديث ‏"‏ذكاة الجنين ذكاة أمه‏"‏ لا يصح وفيه نظر، وإن الحديث صحيح وضعف بعض طرقه غير مضر، وذكر في الأسرار‏:‏ أن هذا الحديث لعله لم يبلغ أبا حنيفة فإنه لا تأويل له، ولو بلغه لما خالفه، وهذا حسن‏.‏ وذكر صاحب العناية وغيرها أنه روى ذكاة الجنين ذكاة أمه بالنصب فهو على التشبيه أي كذكاة أمه كما يقال لسان الوزير لسان الأمير، وفيه نظر، فإن المحفوظ عن أئمة الشأن الرفع، صرح به المنذري‏.‏ ويوضحه ما ورد في بعض طرق أبي سعيد الخدري، قال السائل‏:‏ يا رسول الله إنا ننحر الإبل والناقة، ونذبح البقر فنجد في بطنها الجنين، أفنلقيه أم نأكله‏؟‏ فقال‏:‏ كلوه إن شئتم فإن ذكاته ذكاة أمه‏.‏ وبالجملة فقول من قال بموافقة الحديث أقوى‏.‏ هذا ملخص ما ذكره العيني في البناية، انتهى ما في التعليق الممجد‏.‏

قلت‏:‏ قد بسط الحافظ في التلخيص الكلام على أحاديث هؤلاء الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فمن شاء الوقوف عليه فليرجع إليه‏.‏

فإن قلت‏:‏ حديث الباب ليس بنص في أن ذكاة الجنين في ذكاة أمه، وأن ذكاة الأم تغني عن ذكاته، ففي النهاية للجزري يروي هذا الحديث بالرفع والنصب‏.‏ فمن رفعه جعله خبراً للمبتدأ الذي هو ذكاة الجنين، فتكون ذكاة الأم هي ذكاة الجنين، فلا يحتاج إلى ذبح مستأنف، ومن نصب كان التقدير ذكاة الجنين كذكاة أمه، فلما حذف الجار نصب أو على تقدير يذكي تذكية مثل ذكاة أمه نحذف المصدر وصفته وأقام المضاف إليه مقامه، فلا بد عنده من ذبح الجنين إذا خرج حياً، ومنهم من يرويه بنصب الذكاين، أي ذكاة الجنين ذكاة أمه انتهى‏.‏

قلت‏:‏ نعم يروي هذا الحديث بالرفع والنصب لكن المحفوظ عند أئمة الحديث هو الرفع، قال الحافظ المنذري في تلخيص السنن‏:‏ والمحفوظ عن أئمة هذا الشأن في تفسير هذا الحديث الرفع فيها‏.‏ وقال بعضهم في قوله‏:‏ فإن ذكاته ذكاة أمه‏:‏ ما يبطل هذا التأويل ويدحضه، فإنه تعليل لإباحته من غير إحداث ذكاة انتهى‏.‏

قلت‏:‏ روى أبو داود حديث الباب بلفظ‏:‏ قلنا يا رسول الله ننحر الناقة ونذبح البقرة والشاة فنجد في بطنها الجنين، أنلقيه أم نأكله قال‏:‏ كلوه إن شئتم فإن ذكاته ذكاة أمه‏.‏ قال الخطابي في هذا الحديث بيان جواز أكل الجنين إذا ذكيت أمه وإن لم تجدد للجنين ذكاة، وتأوله بعض من لا يرى أكل الجنين على معنى أن الجنين يذكى كما تذكى أمه فكأنه قال‏:‏ ذكاة الجنين كذكاة أمه‏.‏ وهذه القصة ‏(‏يعني المذكورة في رواية أبي داود هذه‏)‏ تبطل هذا التأويل وتدحضه لأن قوله‏:‏ فإن ذكاته ذكاة أمه تعليل لإباحته من غير إحداث ذكاة ثانية، فثبت أنه على معنى النيابة عنها انتهى كلام الخطابي‏.‏

قلت‏:‏ الأمر كما قال الخطابي‏:‏ وقال الشوكاني في النيل‏:‏ اعتذروا عن الحديث بما لا يغني شيئاً، فقالوا المراد ذكاة الجنين كذكاة أمه‏.‏

ورد بأنه لو كان المعنى على ذلك لكان منصوباً بنزع الخافض والرواية بالرفع، ويؤيده أنه روى بلفظ ذكاة الجنين في ذكاة أمه، وروى ذكاة الجنين بذكاة أمه انتهى‏.‏

واستدل للإمام أبي حنيفة بعموم قوله تعالى‏:‏ ‏(‏حرمت عليكم الميتة‏)‏‏.‏ وأجيب بأن الجنين إذا خرج ميتاً فهو مذكى بذكاة أمه لأحاديث الباب فهو ليس بميتة داخلة تحت هذه الاَية‏.‏

اعلم أن من اشترط أن يكون الجنين قد أشعر، أحتج بما في بعض روايات الحديث عن ابن عمر بلفظ‏:‏ إذا أشعر الجنين فذكاته ذكاة أمه، وقد تفرد به أحمد ابن عصام، والصحيح أنه موقوف‏.‏ وأيضاً قد روى عن ابن أبي ليلى مرفوعاً‏:‏ ذكاة الجنين ذكاة أمه أشعر أو لم يشعر، وفيه ضعف‏.‏ وأيضاً قد روى من طريق ابن عمر نفسه مرفوعاً أو موقوفاً كما رواه البيهقي أنه قال‏:‏ أشعر أو لم يشعر، كذا في النيل‏.‏ وقال صاحب التعليق الممجد‏:‏ ولتعارضها لم يأخذ بهما الشافعية، فقالوا‏:‏ ذكاة الجنين ذكاة أمه مطلقاً‏.‏ ومالك ألغى الثاني لضعفه وأخذ بالأول لاعتضاده بالموقوف فقيد به حديث ذكاة الجنين ذكاة أمه انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وأبو الوداك اسمه جبر‏)‏ يفتح الجيم وسكون الموحدة وبالراء ‏(‏بن نوف‏)‏ بفتح النون وسكون الواو وبالفاء الهمداني البكالي، كوفي صدوق يهم من الرابعة‏.‏

998- باب ما جاءَ في كَرَاهَيةِ كلّ ذِي نَابٍ وَذِي مِخْلَب

1479- حدثنا أحمدُ بنُ الحسَنِ، حدثنا عبدُ الله بنُ مَسْلَمَةَ عن مالكِ بنِ أنَسٍ عن ابنِ شهابٍ عن أبي إدْريسَ الْخَوْلاَنِيّ عن أبي ثعلَبَةَ الْخُشنِيّ قال‏:‏ ‏"‏نَهَى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن كلّ ذِي نَابٍ من السّبَاعِ‏"‏‏.‏

حدثنا سعيدُ بنُ عبدِ الرحمَنِ المخزومي وغيرُ واحدٍ قالوا‏:‏ حدثنا سفيانُ بن عيينة عن الزهريّ عن أبي إدريس الخولاني نحوه‏.‏

قال أبو عيسى هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏ وأبو إدريسَ الخولانيّ اسمُه عائذُ الله بنُ عبدِ الله‏.‏

1480- حدثنا محمودُ بنُ غَيْلاَنَ، حدثنا أبو النضْرِ ‏(‏هاشم بن القاسم‏)‏ حدثنا عكرمة بنُ عمارٍ عن يَحيى بنِ أبي كثيرٍ عن أبي سَلَمَةَ عن جابرٍ قال‏:‏ ‏"‏حَرّمَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَعْنِي يومَ خَيْبرَ الْحُمُرَ الإنْسِيّةَ ولُحومَ الْبِغَالِ وكلّ ذِي نَابٍ من السّباعِ وذِي مِخْلَبٍ من الطّيْرِ‏"‏‏.‏

قال وفي البابِ عن أبي هريرةَ وعِرْباضِ بنِ ساريةَ وابنِ عباسٍ‏.‏

قال أبو عيسى حديثُ جابرٍ حديثٌ حسنٌ غريبٌ‏.‏

1481- حدثنا قُتَيْبَةُ، حدثنا عبدُ العزيزِ بنُ محمدٍ عن محمدِ بنِ عَمْرٍو وعن أبي سَلَمَةَ عن أبي هُرَيْرَةَ‏:‏ ‏"‏أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حَرّمَ كل ذِي نَابٍ من السّباعِ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى هذا حديثٌ حسنٌ، والعملُ على هذا عندَ أكثرَ أهلِ الْعِلْمِ من أصحابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وغيرِهِم‏.‏

وهو قولُ عبدِ الله بنِ المُبارَكِ والشافعيّ وأحمدَ وإسحاقَ‏.‏

الناب السن الذي خلف الرباعية جمعه أنياب‏.‏ قال ابن سينا‏:‏ لا يجتمع في حيوان واحد ناب وقرن معاً‏.‏ وذو الناب من السباع كالأسد والذئب والنمر والفيل والقرد وكل ما له ناب يتقوى به ويصطاد‏.‏ قال في النهاية هو ما يفترس الحيوان ويأكل قسراً كالأسد والنمر والذئب ونحوها انتهى‏.‏ والمخلب بكسر الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح اللام‏.‏ قال أهل اللغة المخلب للطير والسباع بمنزلة الظفر للإنسان‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏نهى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن كل ذي ناب من السباع‏)‏ جمع السبع، قال في القاموس‏:‏ السبع بضم الباء الموحدة وفتحها‏:‏ المفترس من الحيوان‏.‏ وفي الحديث دليل على تحريم كل ذي ناب من السباع، وهو قول الجمهور وهو الحق‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ أخرجه الجماعة إلا البخاري وأبا داود‏.‏

قوله‏:‏‏:‏ ‏(‏الحمر الإنسية‏)‏ تقدم الكلام عليه ‏(‏ولحوم البغال‏)‏ فيه دليل على تحريم البغال وبه قال الأكثر وهو الحق، وخالف في ذلك الحسن البصري كما نقله الشوكاني عن البحر- راجع الأصل ص‏:‏ 53ـ أبي هريرة رضي الله عنه فأخرجه الترمذي في هذا الباب‏.‏ وأما حديث عرباض فأخرجه الترمذي في باب كراهية أكل المصبورة‏.‏ وأما حديث ابن عباس فأخرجه الجماعة إلا البخاري والترمذي ولفظه‏:‏ نهى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن كل ذي ناب من السباع وكل مخلب من الطير‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حديث جابر حديث حسن غريب‏)‏ قال في النيل‏:‏ حديث جابر أصله في الصحيحين وهو بهذا اللفظ بسند لابأس به كما قاله الحافظ في الفتح انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن‏)‏ قال في التلخيص حديث أبي هريرة‏:‏ كل ذي ناب من السباع فأكله حرام‏.‏ أخرجه مسلم بهذا‏.‏ قال ابن عبد البر‏:‏ مجمع على صحته انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏والعمل على هذا عند أهل العلم الخ‏)‏ وهو الحق، وأما من قال بأباحة كل ذي ناب وكل ذي مخلب‏.‏ واحتج بقوله تعالى‏:‏ ‏(‏قل لا أجد فيما أوحي إلي‏)‏ الاَية، ففيه أن هذه الاَية مكية، وأحاديث التحريم بعد الهجرة ‏(‏وهو قول عبد الله بن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق‏)‏ وهو قول أبي حنيفة، وأما مالك فقال ابن العربي المشهور عنه الكراهة‏.‏ قال ابن رسلان مشهور مذهبه على إباحة ذلك‏.‏ وكذا قال القرطبي‏.‏

999- باب ما قُطِعَ من الْحَيّ فهو مَيّت

1482- حدثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلَى الصّنْعَانِيّ، حدثنا سَلَمَةُ بنُ رجاءِ، قال‏:‏ حدثنا عبدُ الرحمَنِ بنُ عبدِ الله بنِ دِينَارٍ عن زَيْدِ بنِ أسْلَمَ عن عطاءِ بنِ يَسَارٍ عن أبي واقِدٍ الليثِيّ قال‏:‏ ‏"‏قَدِمَ النبيّ صلى الله عليه وسلم المدينَةَ وهم يَجُبّونَ أَسْنِمَةَ الإبلِ، ويَقْطَعُونَ ألْيَاتِ الغنَمِ، قال‏:‏ ما قُطَعُ مِنَ الْبَهِيمَةِ وهي حَيّةٌ فهو مِيتَةٌ‏"‏‏.‏

حدثنا إبراهيمُ بنُ يعقوبَ، الجوز جانيّ حدثنا أبو النضْرِ عن عبدِ الرحمَنِ بنِ عبدِ الله بنِ دينارٍ نحوَه‏.‏

قال أبو عيسى هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ لا نعرِفُهُ إلا من حديثِ زيدِ بنِ أسلمَ‏.‏ والعملُ على هذا عندَ أهلِ الْعِلْمِ‏.‏ وأبو واقدٍ اللّيْثِيّ اسمُهُ الحارثُ بنُ عَوْفٍ‏.‏

قوله ‏(‏وهم يجبون‏)‏ بضم الجيم وتشديد الموحدة أي يقطعون ‏(‏أسنمة الإبل‏)‏ بكسر النون جمع سنام ‏(‏ويقطعون أليات الغنم‏)‏ بفتح الهمزة وسكون اللام جمع ألية بفتح الهمزة طرف الشاة ‏(‏ما يقطع‏)‏ ما موصول ‏(‏من البهيمة‏)‏ من بيانية ‏(‏وهي حية‏)‏ جملة حالية ‏(‏فهو‏)‏ أي ما يقطع، والفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط ‏(‏ميتة‏)‏ أي حرام كالميتة لا يجوز أكله‏.‏ قال ابن الملك أي كل عضو قطع، فذلك العضو حرام، لأنه ميت بزوال الحياة عنه، وكانوا يفعلون ذلك في حال الحياة فنهوا عنه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن غريب‏)‏ وأخرجه أبو داود‏.‏ قال المنذري‏:‏ في إسناده عبد الرحمَن بن عبد الله دينار المديني، قال يحيى معين‏:‏ في حديثه ضعف، وقال أبو حاتم الرازي لا يحتج به، وذكر أبو أحمد هذا الحديث وقال لا أعلم يرويه عن زيد بن أسلم غير عبد الرحمَن بن عبد الله هذا آخر كلامه‏.‏ وقد أخرجه ابن ماجة في سنته من حديث زيد بن أسلم عن عبد الله بن عمر إسناده يعقوب بن حميد بن كاسب وفيه مقال‏.‏

1000- باب ما جاء في الذّكاةِ في الْحَلْقِ وَاللّبّة

‏(‏باب ما جاء في الذكاة في الحلق واللبة‏)‏ بفتح اللام وتشديد الموحدة‏.‏ قال في النهاية هي الهزمة التي فوق الصدر وفيها تنحر الإبل انتهى، قيل‏:‏ وهي آخر الحلق، وقال في الصراح‏:‏ لبة سر سينة

1483- حدثنا هَنّادٌ و محمدُ بنُ العلاءِ قالا حدثنا وَكِيعٌ عن حمّادِ بنِ سَلَمَةَ، وقال أحمدُ بنُ مَنِيعٍ، حدثنا يَزِيدُ بنُ هارونَ، حدثنا حمادُ بنُ سَلَمَةَ عن أبي العُشرَاءِ عن أبيهِ قال‏:‏ ‏"‏قُلْتُ يَا رسولَ الله أمَا تكونُ الذّكاةُ إلا في الْحَلْقِ وَاللّبّةِ‏؟‏ قال‏:‏ لو طَعَنْتَ في فَخِذِها لأجزأ عَنْكَ‏"‏ قال أحمدُ بنُ مَنِيعٍ، قال يزيدُ بنُ هارونَ هذا في الضّرُورَةِ‏.‏

قال وفي البابِ عن رافِع بنِ خَدِيجٍ‏.‏

قال أبو عيسى هذا حديثٌ غريبٌ لا نعرفُهُ إلا من حديثِ حمادِ بنِ سَلَمَةَ، ولا نعرِفُ لأبي العُشَرَاءِ عن أبيهِ غيرَ هذا الحديثِ‏.‏ واختلفوا في اسم أبي العشراء، فقال بعضُهم اسمُه أُسامةُ بنُ قِهْطِمٍ، ويُقَالُ اسمه يسارُ بنُ بَرْزٍ، ويقالُ ابنُ بَلزٍ، ويقال اسمُه عُطارد نسب إلى جدّه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن أبي العشراء‏)‏ بضم العين المهملة وفتح الشين المعجمة وبالمد‏:‏ اسمه أسامة بن مالك الدارمي تابعي، روي عن أبيه وعنه حماد بن سلمة يعد في البصريين وفي اسمه اختلاف كثير، وهذا أشهر ما قيل فيه قاله صاحب المشكاة‏.‏

قال الحافظ‏:‏ وهو أعرابي مجهول من الرابعة ‏(‏عن أبيه‏)‏ قد ذكر الترمذي الاختلاف في اسمه في آخر الباب‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أما تكون‏)‏ الهمزة للاستفهام وما نافية والمراد التقرير، أي أما تحصل ‏(‏الذكاة‏)‏ بالذال المعجمة أي الذبح الشرعي ‏(‏في الحلق واللبة‏)‏ هي المنحر من البهائم لو طعنت في فخذها بفتح فكسر، ويجوز الكسر فالسكون، أي في فخذ المذكاة المفهومة من الذكاة ‏(‏لأجزاء عنك‏)‏ أي لكفي فخذها عن ذبحك إياها ‏(‏قال أحمد بن منيع‏:‏ قال يزيد بن هارون، هذا في الضرورة‏)‏ أي هذا الحديث أو قوله لو طعنت في حال الضرورة، قال أهل العلم بالحديث‏:‏ هذا عند الضرورة كالتردي في البئر وأشباهه‏.‏ وقال أبو داود بعد إخراجه‏:‏ هذا لا يصح إلا في المتردية والنافرة والمتوحشة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن رافع بن خديج‏)‏ أخرجه الترمذي في آخر أبواب الصيد‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث غريب‏)‏ قال الخطابي‏:‏ وضعفوا هذا الحديث لأن رواته مجهولون وأبو العشراء لا يدري من أبوه ولم يرو عنه غير حماد بن سلمة‏.‏

قال التلخيص‏:‏ وقد تفرد حماد بن سلمة بالرواية عنه يعني أبا العشراء على الصحيح وهو لا يعرف حاله‏.‏ وقال في تهذيب التهذيب‏:‏ قال الميموني سألت أحمد عن حديث أبي العشراء في الذكاة قال‏:‏ هو عندي غلط ولا يعجبني ولا أذهب إليه إلا في موضع ضرورة‏.‏ وقال البخاري‏:‏ في حديثه واسمه وسماعه من أبيه نظر‏.‏ وذكره ابن حبان في الثقات ‏(‏ولا نعرف لأبي العشراء عن أبيه غير هذا الحديث‏)‏ روى أبو داود في غير السنن، عن أبي العشراء عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن العتيرة فحسنها‏.‏ قال أبو داود في موضع آخر‏:‏ سمعه من أحمد بن حنبل رحمه الله فاستحسنه جداً، كذا في تهذيب التهذيب ‏(‏فقال بعضهم اسمه أسامة بن فهطم‏)‏ في القاموس‏:‏ القهطم كزبرج اللئيم ذو الصخب وعلم ‏(‏ويقال يسار بن برز‏)‏ بفتح الموحدة وسكون المهملة وبالزاي‏.‏

1001- باب ما جاءَ في قَتْلِ الْوَزَغ

‏(‏باب ما جاء في قتل الوزغ‏)‏ قال في مجمع البحار‏:‏ الوزغ بفتح واو وزاي وبمعجمة‏:‏ دابة لها قوائم تعدو في اصول الحشيش، وقيل إنها تأخذ ضرع النافة فتشرب لبنها انتهى‏.‏ قلت‏:‏ يقال لها في لسانتا الهندية‏:‏ كركب‏.‏ وقال في الصراح‏:‏ وزغ جانوري جون كربشه انتهى‏.‏ وقال في القراح كربشه بروزن اقمشه كربسه كه بمعنى جلباسه هندي جهيكلى انتهى‏.‏

1484- حدثنا أبو كُرَيْبٍ، حدثنا وَكِيعٌ عن سُفْيَان عن سُهَيْلِ بنِ أبي صالحٍ عن أبيهِ عن أبي هريرةَ‏:‏ أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏مَنْ قَتَلَ وَزَغَةً بالضّرْبَةِ الأولَى كان له كذا وكذا حَسَنَةً، فإنْ قَتَلَهَا في الضّرْبَة الثانيةِ كان له كذا وكذا حسنةً، فإنْ قَتَلَهَا في الضّرْبَةِ الثالثةِ كان له كذا وكذا حَسَنةً‏"‏‏.‏

قال وفي البابِ عن ابنِ مسعودٍ وسعدٍ وعائشةَ وأُمّ شَرِيكٍ‏.‏

قال أبو عيسى حديثُ أبي هريرةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

شم قوله‏:‏ ‏(‏من قتل وزغة بالضربة الأولى كان له كذا وكذا حسنة الخ‏)‏ وفي رواية عند مسلم‏:‏ من قتل وزغاً في أول ضربة كتبت له مائه حسنة وفي الثانية دون ذلك وفي الثالثة دون ذلك‏.‏ قال النووي‏:‏ سبب تكثير الثواب في قتله أول ضربة الحث على المبادرة بقتله والاعتناء به والحرص عليه فإنه لو فاته ربما انفلت وفات قتله، والمقصود انتهاز الفرصة بالظفر على قتله انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن ابن مسعود وسعد وعائشة وأم شريك‏)‏‏.‏ أما حديث ابن مسعود فأخرجه أحمد وابن حبان عنه مرفوعاً‏:‏ من قتل حية فله سبع حسنات ومن قتل وزغة فله حسنة‏.‏ وأما حديث سعد فأخرجه مسلم‏:‏ أن رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الوزغ وسماه فويسقاً‏.‏ وأما حديث عائشة فأخرجه الطبراني عنها مرفوعاً‏:‏ من قتل وزغاً كفر الله عنه سبع خطيئات‏.‏ وأما حديث أم شريك فأخرجه عنها الشيخان بلفظ‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر عليه أمر بقتل الوزغ وقال‏:‏ كان ينفخ على إبراهيم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه مسلم‏.‏

1002- باب ما جاءَ في قَتْلِ الْحَيّات

‏(‏باب ما جاء في قتل الحيات‏)‏ جمع حية

1485- حدثنا قُتَيْبَةُ، حدثنا اللّيْثُ عن ابنِ شهابٍ عن سالمِ بنِ عبدِ الله عن أبيهِ قال‏:‏ قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏اقْتُلُوا الْحَيّاتِ واقتلوا ذا الطّفْيَتَيْنِ والأبتَرَ فإنهما يَلْتَمِسانِ البصَرَ ويُسْقِطَانِ الحَبْلَى‏"‏‏.‏

قال وفي البابِ عن ابنِ مسعودٍ وعائشةَ وأبي هريرةَ وسهلِ بنِ سعدٍ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

وقد رُوِيَ عن ابنِ عُمَرَ عن أبي لُبَابَةَ أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم نَهَى بعد ذلك عن قَتْلِ جِبّات البُيوتِ وهي العوامِرُ‏.‏ ويُرْوَى عن ابنِ عمرَ عن زيْدِ بنِ الخطّابِ أيضاً‏.‏ وقال عبدُ الله بنُ المباركِ‏:‏ إنما يُكْرَهُ من قتلِ الحيّاتِ، قتل الحيّة التي تكونُ دقيقةً كأنها فِضّةٌ، ولا تَلَتوى في مِشْيَتِهَا‏.‏

1486- حدثنا هَنّادٌ، حدثنا عَبْدَةَ عن عُبَيْدِ الله بنِ عُمَرَ عن صَيْفى عن أبي سعيدٍ الْخُدْرِيّ قال‏:‏ قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إنّ لِبُيوتِكُمْ عُمّاراً فَحَرّجُوا عليهِنّ ثلاثاً، فإنْ بَدَالكم بعد ذلك منهُنّ شيءٌ فاقتُلوهُنّ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هكذا رَوَى عُبَيْدُ الله بنُ عُمرَ هذا الحديثَ عن صَيْفى عن أبي سعيدٍ‏.‏ ورَوَى مالكُ بنُ أنَسٍ هذا الحديث عن صَيْفى عن أبي السائبِ مَوْلَى هِشَامِ بنِ زُهْرَةَ عن أبي سعيدٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم‏.‏ وفي الحديثِ قِصّةٌ‏.‏

حدثنا بذلك الأنصاريّ، حدثنا مَعْنٌ، حدثنا مالكٌ‏.‏ وهذا أصحّ من حديثِ عُبَيْدِ الله بنِ عُمرَ‏.‏ ورَوَى محمدُ بنُ عَجْلاَنَ عن صَيْفى نحوَ روايةِ مالكٍ‏.‏

1487- حدثنا هَنّادٌ، حدثنا ابنُ أبي زائدةَ، حدثنا ابنُ أبي لَيْلَى عن ثابتِ البُنَانِيّ عن عبدِ الرحمَنِ بنِ أبي لَيْلَى، قال‏:‏ قال أبو لَيْلَى‏:‏ قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إذا ظَهَرَتْ الحيّةُ في المَسْكَنِ فَقُولُوا لها إنّا نَسْأَلُك بِعَهْدِ نوحٍ وبعهدِ سليمانَ بنِ داودَ أنْ لا تُؤْذِينَا، فإنْ عادتْ فاقْتُلوها‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ لا نعرفُهُ من حديث ثابتٍ البُنَانِيّ إلا من هذا الوَجْهِ من حديثِ ابنِ أبي ليلَى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏اقتلوا الحيات‏)‏ أي كلها عموماً ‏(‏واقتلوا‏)‏ أي خصوصاً ‏(‏إذا الطفيتين‏)‏ بضم الطاء المهملة وسكون الفاء، أي صاحبهما، وهي حية خبيثة على ظهرها خطان أسودان كالطفيتين‏.‏ الطفيه بالضم على ما في القاموس خوصة المقل، والخوص بالضم ورق النخل، الواحدة بهاء، والمقل بالضم صمغ شجرة‏.‏ وفي النهاية‏:‏ الطفية خوصة المقل شبه به الخطان اللذان على ظهر الحية في قوله ذا الطفيتين ‏(‏والأبتر‏)‏ بالنصب عطفاً على ذا، قيل هو الذي يشبه المقطوع الذنب لقصر ذنبه وهو من أخبث ما يكون من الحيات ‏(‏فإنهما يلتمسان البصر‏)‏ أي يطلبانه وفي رواية الشيخين يطمسان البصر بفتح الياء وكسر الميم، أي ويعميان البصر بمجرد النظر إليهما لخاصية السمية في بصرهما ‏(‏ويسقطان‏)‏ من الإسقاط ‏(‏الحبل‏)‏ بفتحتين، أي الجنين عند النظر إليهما بالخاصة السمية‏.‏ قال القاضي وغيره‏:‏ جعل ما يفعلان بالخاصة كالذي يفعل بقصد وطلب، وفي خواص الحيوان عجائب لا تنكر‏.‏ وقد ذكر في خواص الأفعى أن الحبل يسقط عند موافقة النظرين، وفي خواص بعض الحيات أن رؤيتها تعمي، ومن الحيات نوع يسمى الناظور متى وقع نظره على إنسان مات من ساعته، ونوع آخر إذا سمع الإنسان صوته مات‏.‏

وله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن ابن مسعود وعائشة وأبي هريرة وسهل بن سعد‏)‏ أما حديث ابن مسعود فأخرجه أبو داود عنه أن رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ اقتلوا الحيات كلها إلا الجان الأبيض الذي كأنه قضيب فضة‏:‏ وله حديث آخر عند أبي داود والنسائي والطبراني‏.‏ وأما حديث عائشة فلينظر من أخرجه‏.‏ وأما حديث أبي هريرة فأخرجه أبو داود وابن حبان في صحيحه مرفوعاً بلفظ‏:‏ ما سالمناهن منذ حاربناهن، يعني الحيات ومن ترك قتل شيء منهن فليس منا‏.‏ وله أحاديث أخرى في هذا الباب ذكرها المنذري في الترغيب‏.‏ وأما حديث سهل فلينظر من أخرجه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه الشيخان ‏(‏وقد روى عن ابن عمر عن أبي لبابة‏)‏ بضم اللام صحابي مشهور ‏(‏نهى بعد ذلك عن قتل جنان البيوت‏)‏ بكسر الجيم جمع جان الحية الدقيقة‏.‏ وفي رواية الشيخين نهي بعد ذلك عن ذوات البيوت أي صواحبها لملازمتها ‏(‏وهي‏)‏ أي جنان البيوت ‏(‏العوامر‏)‏ أي البيوت حيث تسكنها ولا تفارقها، واحدتها عامرة، وقيل سميت بها لطول عمرها كذا في النهاية‏.‏ وقال التوربشتي‏:‏ عمار البيوت وعوامرها سكانها من الجن‏.‏ وأخرج هذه الرواية الشيخان في حديث ابن عمر المذكور ولفظهما‏:‏ قال عبد الله‏:‏ فبينا أنا أطارد حية اقتلها، ناداني أبو لبابة لا تقتلها، فقلت‏:‏ إن رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الحيات، فقال إنه نهي بعد ذلك عن ذوات البيوت وهن العوامر‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ويروي عن ابن عمر عن زيد بن الخطاب أيضاً‏)‏ زيد بن الخطاب هذا هو أخو عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما وكان زيد أسن من بن وأسلم قبله وكان طويلا بائن الطول وشهد بدراً والمشاهد، له في الكتب حديث واحد في النهي عن قتل ذوات البيوت كذا في تهذيب التهذيب‏.‏

قلت‏:‏ حديث زيد بن الخطاب أخرجه مسلم وأبو داود‏.‏

قوله ‏(‏إن لبيوتكم عماراً‏)‏ أي سواكن ‏(‏فخرجوا عليهن ثلاثاً‏)‏ بتشديد الراء المكسورة أي ضيقوا أي قولوا لها أنت في حرج أي ضيق إن عدت إلينا فلا تلومينا أن نضيق عليك بالتتبع والطرد والقتل كذا في النهاية وفي شرح مسلم للنووي‏.‏ قال القاضي عياض‏:‏ روى ابن الحبيب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه يقول‏:‏ أنشدتم بالعهد الذي أخذ عليكم سليمان بن داود عليهما السلام أن لا تؤذونا ولا تظهروا لنا ونحوه عن مالك ‏(‏فإن بدا‏)‏ أي ظهر ‏(‏بعد ذلك‏)‏ أي بعد التحريج ‏(‏فاقتلوا‏)‏ وفي رواية لمسلم فاقتلوه فإنه كافر، وفي رواية أخرى له‏:‏ فاقتلوه فإنه شيطان‏.‏ قال القاري في المرقاة‏:‏ أي فليس بجني مسلم‏.‏ بل هو إما جني كافر، وإما حية وإما ولد من أولاد إبليس، أو سماه شيطاناً لتمرده وعدم ذهابه بالإيذان، وكل متمرد من الجن والإنس والدابة يسمى شيطاناً‏.‏ وفي شرح مسلم للنووي‏:‏ قال العلماء إذا لم يذهب بالإنذار علمتم أنه ليس من عوامر البيوت ولا ممن أسلم من الجن بل هو شيطان فلا حرمة له فاقتلوه ولن يجعل الله له سبيلا إلى الإضرار بكم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وروى مالك بن أنس هذا الحديث‏)‏ رواه في آخر الموطأ ‏(‏وفي الحديث قصة‏)‏ رواه مسلم بقصته‏.‏

قوله ‏(‏عن عبد الرحمن بن أبي ليلى‏)‏ أنصارى ولد لست سنين من خلافة عمر وقتل بدجيل، وقيل غرق بنهر البصرة، وقيل فقد بدير الجماجم سنة ثلاث وثمانين في وقعة ابن الأشعت، حديثه في الكوفيين سمع أباه وخلفاً كثيراً من الصحابة، ومنه الشعبي ومجاهد وابن سيرين وخلق وهو في الطبقة الأولى من تابعي الكوفيين، ذكره صاحب المشكاة في حرف العين‏.‏ وقال في حرف اللام ابن أبي ليلى اسمه عبد الرحمن بن أبي ليلى يسار الأنصاري ولد الخ، ثم قال‏:‏ وقد يقال ابن أبي ليلى أيضاً لولده محمد، وهو قاضي الكوفة إمام مشهورة في الفقه صاحب مذهب وقول، وإذا أطلق المحدثون ابن أبي ليلى فإنما يعنون أباه، وإذا أطلق الفقهاء ابن أبي ليلى فإنما يعنون محمداً، وولد محمد هذا سنة أربع وسبعين، ومات سنة ثمان وأربعين ومائة ‏(‏قال‏:‏ قال أبو ليلى‏)‏ الأنصاري صحابي والد عبد الرحمن شهد أحداً وما بعدها وعاش إلى خلافه علي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إنا نسألك بعهد نوح‏)‏ ولعل العهد كان حين إدخالها في السفينة ‏(‏أن لا تؤذينا‏)‏ هذه الياء ياء الضمير لا ياء الكلمة، فإنها سقطت لاجتماع الساكنين، فتكون ساكنة سواء قلنا إن أن مصدرية ولا نافية، والتقدير نطلب منك عدم الإيذاء، أو مفسرة ولا ناهية لأن في السؤال معنى القول أي لا تؤذينا‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن غريب‏)‏ وأخرجه أبو داود‏.‏

اعلم أنه ورد في قتل الحيات أحاديث مختلفة، ولأجل ذلك اختلف أهل العلم، فذهب طائفة منهم إلى قتل الحيات أجمع، في الصحاري والبيوت، بالمدينة وغير المدينة، ولم يستثنوا نوعاً وجنساً ولا موضعاً، واحتجوا في ذلك بأحاديث جاءت عامة، وقالت تقتل الحيات أجمع، إلا سواكن البيوت بالمدينة وغيرها، فإنهن لا يقتلن، لما جاء في حديث أبي لبابة وزيد بن الخطاب من النهي عن قتلهن بعد الأمر بقتل جميع الحيات‏.‏ وقالت طائفة‏:‏ تنذر سواكن البيوت في المدينة وغيرها فإن بدين بعد الإنذار قتلن‏.‏ وما وجد منهن في غير البيوت يقتل من غير إنذار‏.‏ وقال مالك‏:‏ يقتل ما وجد منها في المساجد، واستدل هؤلاء بقولهصلى الله عليه وسلم‏:‏ إن لهذه البيوت عوامر، فإذا رأيتم منها شيئاً فحرجوا عليها ثلاثاً، فإن ذهب وإلا فاقتلوه، وقالت طائفة‏:‏ لا تنذر إلا حيات المدينة فقط، وأما حيات غير المدينة في جميع الأرض والبيوت، فتقتل من غير إنذار‏.‏ وقالت طائفة‏:‏ يقتل الأبتر وذو الطفيتين من غير إنذار سواكن بالمدينة وغيرها‏.‏ ولكل من هذه الأقوال وجه قوي ودليل ظاهر كذا في الترغيب المنذري‏.‏

1003- باب ما جاءَ في قَتْلِ الْكِلاَب

1488- حدثنا أحمدُ بنُ مَنِيعٍ، حدثنا هُشَيْمٌ، أخبرنا منصورُ بنُ زاذانَ و يُونُسُ بن عبيد عن الحسَنِ عن عبدِ الله بنِ مُغفّلٍ قال‏:‏ قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏لولا أنّ الْكِلاَبَ أُمّةٌ مِنَ الاْمَمِ لأَمَرْتُ بِقَتْلِهَا كلّها، فَاقْتلُوا منها كلّ أسْوَدَ بَهِيمٍ‏"‏‏.‏

قال وفي البابِ عن ابنِ عمرَ وجابرٍ وأبي رافعٍ وأبي أيوبَ‏.‏

قال أبو عيسى حديثُ عبدِ الله بنِ مُغفَلٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏ ويُرْوَى في بعضِ الحديثِ أنّ الكلْبَ الأسودَ البهيمَ شيطانٌ، والكلبُ الأسودُ البهيمُ الذي لا يكونُ فيه شيءٌ من البياضِ‏.‏ وقد كَرِهَ بعضُ أهلِ الْعِلْمِ صَيْدَ الكلبِ الأسْودِ البهيمِ‏.‏

قوله ‏(‏لولا أن الكلاب أمة من الأمم‏)‏ يأتي شرح هذا الحديث في الباب الذي يليه‏.‏

وله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن ابن عمر وجابر وأبي رافع وأبي أيوب‏)‏‏.‏ أما حديث ابن عمر فأخرجه الشيخان، وأخرجه الترمذي في الباب الذي يليه‏.‏ وأما حديث جابر فأخرجه مسلم عنه قال‏:‏ أمرنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بقتل الكلاب حتى إن المرأة تقدم من البادية بكلبها فنقتله، ثم نهى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن قتلها وقال‏:‏ عليكم بالأسود البهيم ذي النقطتين فإنه شيطان‏.‏ وأما حديث أبي رافع فأخرجه أحمد عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ يا أبا رافع اقتل كل كلب بالمدينة الحديث‏.‏ وأما حديث أبي أيوب فلينظر من أخرجه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حديث عبد الله بن مغفل حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه أبو داود والدارمي وأخرجه الترمذي في الباب الذي يليه بزيادة ‏(‏ويروي في بعض الحديث أن الكلب الأسود البهيم شيطان‏)‏، وهو حديث جابر الذي أشار إليه الترمذي وذكرنا لفظه‏.‏

قال القاضي أبو ليلى‏:‏ فإن قيل‏:‏ ما معنى قوله صلى الله عليه وسلم في الكلب الأسود إنه شيطان‏؟‏ ومعلوم أنه مولود من الكلب، وكذلك قوله في الإبل إنها جن وهي مولودة من النوق‏؟‏ فالجواب أنه إنما قال ذلك على طريق التشبيه لهما بالشيطان والجن، لأن الكلب الأسود شر الكلاب وأقلها نفعاً‏.‏ ولإبل شبه الجن في صعوبتها وصولتها، وفي شرح السنة قيل في تخصيص كلاب المدينة بالقتل من حيث أن المدينة كانت مهبط الملائكة بالوحي وهم لا يدخلون بيتاً فيه كلب، وجعل الكلب الأسود البهيم شيطاناً لخبثه، فإنه أضر الكلاب وأعقرها، والكلب أسرع إليه منه إلى جميعها، وهي مع هذا أقلها نفعاً وأسوأها حراسة وأبعدها من الصيد وأكثرها نعاساً‏.‏ وحكى عن أحمد وإسحاق أنهما قالا‏:‏ لا يحل صيد الكلب الأسود‏.‏ وقال النووي‏:‏ أجمعوا على قتل العقور‏.‏ واختلفوا فيما لا ضرر فيه، قال إمام الحرمين‏:‏ أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتلها كلها ثم نسخ ذلك إلا الأسود البهيم، ثم استقر الشرع على النهي عن قتل جميع الكلاب حيث لا ضرر فيها حتى الأسود البهيم انتهى‏.‏

1004- باب ما جاء في مَنْ أمْسَكَ كَلْباً، ما ينقص مِنْ أَجْرِه

1489- حدثنا أحمدُ بنُ مَنِيعٍ، حدثنا إسماعيلُ بنُ إبراهيمَ عن أيوبَ عن نافعٍ عن ابنِ عمرَ قال‏:‏ قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏مَنْ اقْتَنَى كلْباً أو اتّخَذَ كلْباً ليس بِضَارٍ ولا كلْبَ مَاشِيَةٍ نَقَصَ من أجْرِهِ كلّ يَوْمٍ قِيرَاطَان‏"‏‏.‏

قال وفي البابِ عن عبدِ الله بنِ مُغفّلٍ وأبي هريرةَ وسُفيانَ بنِ أبي زُهَيْرٍ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ حديثُ ابنِ عمرَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏ وقد رُوِيَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ أو كلْبَ زَرْعٍ‏.‏

1490- حدثنا قُتَيْبَةُ، حدثنا حمادُ بنُ زَيْدٍ عن عمرِو بنِ دينارٍ عن ابنِ عمرَ‏:‏ ‏"‏أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أمَرَ بِقَتْلِ الكلابِ إلا كلْبَ صَيْدٍ أو كلْبَ مَاشِيَةٍ‏"‏‏.‏ قِيلَ له‏:‏ إنّ أبا هريرةَ كان يقولُ‏:‏ أو كلْبَ زَرْعٍ‏.‏ فقال‏:‏ إنّ أبَا هريرةَ لَهُ زَرْعٌ‏.‏

قال أبو عيسى هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

1491- حدثنا عُبَيْدُ بنُ أسْبَاط بنِ محمدٍ القُرَشِيّ، حدثنا أَبِي عن الأعمَشِ عن إسماعيلَ بنِ مُسْلِمٍ عن الحسَنِ عن عبدِ الله بنِ مُغفّل قال‏:‏ إنّي لَمِمّنْ يَرْفَعُ أغصانَ الشّجرةِ عن وَجْهِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وهو يَخْطُبُ، فقال‏:‏ ‏"‏لولا أنّ الكلابَ أُمّةٌ مِنَ الاْمَمِ لأَمَرْتُ بِقَتْلِهَا، فاقتُلوا منها كلّ أسْوَدَ بَهِيمٍ، وما مِنْ أهلِ بَيْتٍ يَرْتَبِطُونَ كلْباً إلاّ نَقُصَ من عَمَلِهِمْ كلّ يَوْمٍ قِيراطٌ إلا كلْبَ صَيْدٍ أو كلْبَ حَرْثٍ أو كلْبَ غَنَمٍ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ‏.‏

وقد رُوِيَ هذا الحديثُ من غيرِ وجهٍ عن الحسَنِ عن عبدِ الله بنِ مغَفّلٍ عن النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

1492- حدثنا الحسَنُ بنُ عَلِي ‏(‏الحلواني‏)‏ وغيرُ واحدٍ قالوا‏:‏ أخبرنا عبدُ الرزّاق أخبرنا مَعْمَرٌ عن الزّهريّ عن أبي سَلَمَةَ بنِ عبدِ الرحمَنِ عن أبي هريرةَ أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏مَنْ اتّخَذَ كلْبَاً إلا كلْبَ مَاشِيَةٍ أو صَيْدٍ أو زَرْعٍ انْتَقَصَ مِنْ أجْرِهِ كلّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ‏"‏‏.‏ قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسن صحيحٌ‏.‏

ويُرْوَى عن عطاءِ بنِ أبي رَبَاحٍ‏:‏ أنه رخّصَ في إمساك الكلْبِ وإنْ كان للرّجلِ شَاةٌ وَاحِدَةٌ‏.‏

حدثنا بذلك إسحاقُ بنُ منصورٍ، حدثنا حَجّاجُ بنُ محمدٍ عن ابنِ جُرَيْجٍ عن عطاءِ بهذا‏.‏

قوله ‏(‏من اقتنى كلباً‏)‏ يقال اقتنى الشيء إذا اتخذه للإدخار أي حبس وأمسك ‏(‏أو اتخذ كلباً‏)‏ شك من الراوي ‏(‏ليس بضار‏)‏ بتخفيف الراء المكسورة المنونة أي ليس بمعلم‏.‏ قال التوربشي‏:‏ الضاري من الكلاب ما يهيج بالصيد يقال ضرا الكلب بالصيد ضراوة أي تعوده انتهى‏.‏ وقال الحافظ‏:‏ ضرا الكلب وأضراه صاحبه‏:‏ أي عوده وأغراه بالصيد ‏(‏ولا كلب ماشية‏)‏ هو ما يتخذ من الكلاب لحفظ الماشية عند رعيها ‏(‏نقص‏)‏ بصيغة المجهول‏.‏ قال القاري‏:‏ وفي نسخة يعني المشكاة بالمعلوم وهو يتعدى ولا يتعدى، والمراد به هنا اللزوم أي انتقص ‏(‏كل يوم‏)‏ بالنصب على الظريفة ‏(‏قيراطان‏)‏ فاعل أو نائبه‏.‏ قال القاري‏:‏ أي من أجر عمله الماضي فيكون الحديث محمولا على التهديد، لأن حبط الحسنة بالسيئة ليس مذهب أهل السنة والجماعة، وقيل‏:‏ أي من ثواب عمله المتقبل حين يوجد وهذا أقرب، لأنه تعالى إذا نقّص من ثواب عمله ولا يكتب له كما يكتب لغيره من كمال فضله لا يكون حبطاً لعمله، وذلك لأنه اقتنى الجاسة مع وجوب التجنب عنها من غير ضرورة وحاجة وجعلها وسيلة لرد السائل والضعيف‏.‏ قال النووي‏:‏ واختلفوا في سبب نقصان الأجر باقتناء الكلب‏.‏ فقيل لامتناع الملائكة من دخول بيته، وقيل لما يلحق المارين من الأذى من ترويع الكلب لهم وقصده إياهم، وقيل إن ذلك عقوبة لهم لاتخاذهم ما نهي عن اتخاذه وعصيانهم في ذلك، وقيل لما يبتلي به ولوغه في الأواني عند غفلة صاحبه ولا يغسله بالماء والتراب‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن عبد الله بن مغفل وأبي هريرة‏)‏ أخرج حديثهما الترمذي في هذا الباب ‏(‏وسفيان بن أبي زهير‏)‏ أخرج حديثه الشيخان عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ من اقتنى كلباً لا يغني عنه زرعاً ولا ضرعاً نقص من عمله كل يوم قيراط‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حديث ابن عمر حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ أو كلب زرع‏)‏ رواه أبو هريرة وعبد الله بن مغفل وسفيان بن أبي زهير‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فقال إن أبا هريرة له زرع‏)‏ أراد ابن عمر بذلك أن سبب حفظ أبي هريرة لهذه الزيادة أنه صاحب زرع دونه، ومن كان مشتغلاً بشيء احتاج إلى تعرف أحكامه وهذا هو الذي ينبغي حمل الكلام عليه‏.‏ وفي صحيح مسلم قال سالم‏:‏ وكان أبو هريرة يقول أو كلب حرث وكان صاحب حرث، وقد وافق أبا هريرة على ذكر الزرع عبد الله بن مغفل، كما أخرجه الترمذي في هذا الباب وسفيان بن أبي زهير كما أخرجه الشيخان‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه مسلم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إلا كلب ماشية أو صيد أو زرع‏)‏ أو للتنويع لا للترديد ‏(‏انتقص من أجره كل يوم قيراط‏)‏ وفي رواية ابن عمر المتقدمة قيراطان‏.‏ واختلفوا في اختلاف هاتين الروايتين المختلفتين، فقيل الحكم للزائد لكونه حفظ ما لم يحفظه الاَخر، أو أنه صلى الله عليه وسلم أخبر أولا بنقص قيراط واحد فسمعه الراوي الأول ثم أخبر ثانيا بنقص قيراطين زيادة في التأكيد والتنفير من ذلك فسمع الراوي الثاني، وقيل ينزل على حالين فنقص القراطين باعتبار كثرة الإضرار بأتخاذها ونقص القيراط باعتبار قلته، وقيل يختص نقص القيراطين يمن اتخذها بالمدينة الشريفة خاصة والقيراط بما عداها، وقيل غير ذلك‏.‏ واختلف في القيراطين المذكورين هنا، هل هما كالقيراطين المذكورين في الصلاة على الجنازة واتباعها، فقيل بالتسوية، وقيل اللذان في الجنازة من باب الفضل اللذان هنا من باب العقوبة، وباب الفضل أوسع من غيره‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث صحيح‏)‏ أخرجه الجماعة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أنه رخص في إمساك الكلب وإن كان للرجل شاة واحدة‏)‏ إذا أمسكه لحفظ الشاة الواحدة فإنه كلب ماشية‏.‏ قال ابن عبد البر‏:‏ في هذه الأحاديث إباحة اتخاذ الكلب للصيد والماشية، وكذلك للزرع لأنها زيادة حافظ، وكراهة اتخاذها لغير ذلك إلا أنه يدخل في معنى الصيد وغيره مما ذكر اتخاذها لجلب المنافع ودفع المضار قياساً فتمحض كراهة اتخاذها لغير حاجة لما فيه من ترويع الناس وامتناع دخول الملائكة إلى البيت الذي الكلاب فيه‏.‏‏.‏ وقد استدل بهذا على جواز اتخاذها لغير ما ذكر وأنه ليس بمحرم لأن ما كان اتخاذه محرماً امتنع اتخاذه على كل حال، سواء نقص الأجر أم لا‏.‏ فدل ذلك على أن اتخاذها مكروه لا حرام كذا في النيل‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏لولا أن الكلاب‏)‏ أي جنسها ‏(‏أمة‏)‏ أي جماعة ‏(‏من الأمم‏)‏ لقوله تعالى ‏(‏وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم‏)‏ ‏(‏فاقتلوا منها كل أسود بهيم‏)‏ أي خالص السواد‏.‏ قال الخطابي‏:‏ معنى هذا الكلام أنه صلى الله عليه وسلم كره إفناء أمة من الأمم وإعدام جيل من الخلق، لأنه ما من خلق لله تعالى إلا وفيه نوع من الحكمة وضرب من المصلحة، يقول‏:‏ إذا كان الأمر على هذا ولا سبيل إلى قتلهن، فاقتلوا شرارهن، وهي السود البهم، وابقوا ما سواها لتنتفعوا بهن في الحراسة‏.‏ قال الطيبي‏:‏ قوله أمة من الأمم إشارة إلى قوله تعالى‏:‏ ‏(‏وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم‏)‏ أي أمثالكم في كونها دالة على الصانع ومسبحة له‏.‏ قال تعالى‏:‏ ‏(‏وإن من شيء إلا يسبح بحمده‏)‏ أي يسبح بلسان القال أو الحال حيث يدل على الصانع وعلى قدرته وحكمته وتنزيهه عما لا يجوز عليه‏.‏ فبالنظر إلى هذا المعنى لا يجوز التعرض لها بالقتل، والإفناء، ولكن إذا كان لدفع مضرة كقتل الفواسق الخمس أو جلب منفعة كذبح الحيوانات المأكولة جاز ذلك‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن‏)‏ قال في الملتقى‏:‏ رواه الخمسة وصححه الترمذي انتهى‏.‏

1005- باب ما جاء في الذّكَاةِ بِالْقَصَبِ وَغَيْرِه

‏(‏باب ما جاء في الذكاة بالقصب وغيره‏)‏ قال في القاموس‏:‏ القصب محركة كل نبات ذي أنابيب‏.‏

1493- حدثنا هَنّادٌ، حدثنا أبو الأحْوَصِ عن سعيدِ بنِ مسروقٍ عن عَبَايَةَ بنِ رِفاعَةَ بنِ رافعِ بنِ خَدِيجٍ عن أبيهِ عن جَدّهِ رافعِ بنِ خديجٍ قال‏:‏ قلت‏:‏ يَا رسولَ الله، إنّا نَلْقَى الْعَدُوّ غداً وليست معنا مُدًى‏.‏ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ما أَنْهَرَ الدّمَ وذُكِرَ اسمُ الله عليهِ فكلُوه ما لم يكُنْ سِناً أو ظُفْراً وسأُحَدّثُكُم عن ذلك‏:‏ أما السّنّ فعظمٌ وأما الظّفْرُ فَمُدَى الحبشةِ‏"‏‏.‏

1494- حدثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ، حدثنا يَحيى بنُ سعيدٍ عن سُفيانَ الثوْرِيّ، قال حدثنا أبِي عن عَبايةَ بنِ رِفاعةَ بن رافعِ بنِ خَدِيجٍ رضي الله عنه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم نحوَهُ ولم يذكرْ فيه عَبايةَ عن أبيهِ وهذا أصحّ‏.‏ وعَبايةُ قد سَمِعَ من رافعٍ‏.‏ والعملُ على هذا عندَ أهلِ العلمِ لا يَرَوْنَ أن يُذَكى بِسِن ولا بِعَظْمٍ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إنا نلقي العدو غداً‏)‏ لعله عرف ذلك بخير أو بقرينة وليست معنا مدى بضم الميم مخفف مقصور جمع مدية بسكون الدال بعدها تحتانية وهي السكين، سميت بذلك لأنها تقطع مدى الحيوان أي عمره والرابط بين قوله تلتقي العدو وليست معنا مدى يحتمل أن يكون مراده أنهم إذا لقوا العدو وصاروا بصدد أن يغنموا منهم ما يذبحونه، ويحتمل أن يكون مراد أنهم يحتاجون إلى ذبح ما يأكلونه ليتقووا به على العدو إذا لقوه ‏(‏ما أنهر الدم‏)‏ أي أسأله وصبه بكثرة شبهه يجري الماء في النهر قال عياض‏:‏ هذا هو المشهور في الروايات بالراء‏.‏ وذكره أبو ذر بالزاي وقال النهز بمعنى الدفع وهو غريب وما موصلة في موضع الرفع بالإبتداء وخبرها فكلوا، والتقدير ما أنهر الدم فهو حلال فكلوا، ويحتمل أن تكون شرطية ‏(‏وذكر اسم الله عليه‏)‏ بصيغة المجهول وفيه دليل على اشتراط التسمية لإنه علق الإذن بمجموع الأمرين وهما‏:‏ الإنهار والتسمية، والمعلق على شيئين لا يكتفي فيه إلا باجتماعهما وينتفي بانتفاء أحدهما ‏(‏ما لم يكن سن أو ظفر‏)‏ كذا في النسخ بالرفع، وكذلك في بعض نسخ أبي داود، وفي بعضها سناً أو ظفراً بالنصب، وهو الظاهر ‏(‏وسأحدثكم عن ذلك‏)‏ اختلف في هذا، هل هو من جملة المرفوع، أو مدرج ‏(‏أما السن فعظم‏)‏ قال البيضاوي‏:‏ هو قياس حذفت منه المقدمة الثانية لشهرتها عندهم والتقدير، أما السن فعظم وكل عظم لا يحل الذبح به، وطوى النتيجة لدلالة الاستثناء عليها‏.‏ وقال ابن ابي الصلاح‏:‏ في مشكل الوسيط هذا يدل على أنه عليه السلام كان قد قرر كونه الذكاة لا تحصل بالعظم، فذلك اقتصر على قوله فعظم‏.‏ قال‏:‏ ولم أر بعد البحث من نقل المنع من الذبح بالعظم معني يعقل، وكذا وقع في كلام ابن عبد السلام، وقال النووي معنى الحديث‏:‏ لا تذبحوا بالعظم فإنها تنجس بالدم‏.‏ وقد نهيتم عن تنجيسها، لأنها زاد إخوانكم من الجن، وقال ابن الجوزي في المشكل‏:‏ هذا يدل على أن الذبح بالعظم كان معهودا عنهم إنه لا يجزى‏.‏ وقررهم الشارع على ذلك ‏(‏وأما الظفر فمدى الحبشة‏)‏ أي وهم كفار، وقد نهيتم عن التشبيه بهم‏.‏ قاله ابن الصلاح وتبعه النووي، وقيل نهي عنهما لأن الذبح بهما تعذيب للحيوان، ولا يقطع به غالباً إلا الخنق الذي هو على صورة الذبح، واعترض على الأول بأنه لو كان كذلك لامتنع الذبح بالسكين، وسائر ما يذبح به الكفار‏.‏ وأجيب بأن الذبح بالسكين هو الأصل، وأما ما يلحق بهما، فهو الذي يعتبر فيه التشبه‏.‏ ومن ثم كانوا يسألون عن جواز الذبح بغير السكين‏.‏ وروي عن الشافعي أنه قال‏:‏ ألسن إنما يذكى بها إذا كانت منتزعة، فإما وهي ثابتة فلو ذبح بها لكانت منخنقة‏.‏ يعني فدل على عدم جواز التذكية بالسن المنتزعة، بخلاف ما نقل عن الحنيفة من جوازه بالسن المنفصلة‏.‏ قال‏:‏ وإما الظفر فلو كان المراد به ظفر الإنسان لقال فيه ما قال في السن‏.‏ لكن الظاهر أنه أراد به الظفر الذي هو طيب من بلاد الحبشة وهو لا يقوى فيكون في معنى الخنق كذا في النيل‏.‏

قلت هو جسم صلب كالصدف أحد طرفيه رقيق محدد يقال له أظفار الطيب‏.‏ قال في بحر الجواهر‏:‏ أظفار الطيب أقطاع صدفية في مقدار طيب الرائحة، يستعمل في العطر انتهى‏.‏ قلت ويكون أكبر من مقدار الظفر أيضاً‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏لم يذكر‏)‏ أي والد سفيان ‏(‏فيه‏)‏ أي في حديثه ‏(‏عن عباية عن أبيه‏)‏ بل ذكر عن رافع وترك ذكر أبيه والحديث أخرجه الجماعة‏.‏

1006- باب ما جاء في البعير والبقر والغنم اذا ندّ فصار وحشياً يرمى بسهم أم لا

1495- حدثنا هَنّادٌ، حدثنا أبو الأحْوَصِ عن سعيدِ بنِ مسروقٍ عن عَبايةَ بنِ رِفاعةَ بنِ رافعِ عن أبيهِ عن جَدّهِ رافعٍ بن خديج قال‏:‏ ‏"‏كُنّا مع النبيّ صلى الله عليه وسلم في سَفَرٍ فَنَدّ بَعِيرٌ مِنْ إبِلِ الْقَوْمِ ولم يكُنْ معهُمْ خَيْلٌ فَرَمَاهُ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فحبَسَهُ الله، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ إنّ لهذه البَهائمِ أوَابِدَ كأوابِدِ الوحْشِ فما فَعَلَ منها هذا فافْعَلُوا به هكذا‏"‏‏.‏

حدثنا محمودُ بنُ غَيْلاَنَ، حدثنا وَكِيعٌ، حدثنا سفيانُ عن أبيهِ عن عَبايةَ بنِ رِفاعةَ عن جَدّهِ رافعِ بنِ خَدِيجٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم نحوَهُ ولم يذكُرْ فيه عبايةَ عن أبيهِ وهذا أصحّ‏.‏ والعملُ على هذا عند أهلِ الْعِلْمِ وهكذا رواهُ شُعبةُ عن سعيدِ بنِ مسروقٍ من روايةِ سُفيانَ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن عباية‏)‏ بفتح العين المهملة والموحدة الخفيفة، وبعد الألف تحتانية خفيفة الأنصاري الزرقي المدني ثقة من الثالثة ‏(‏ابن رفاعة‏)‏ بكسر راء وخفة فاء وبعين مهملة ثقة ‏(‏بن رافع بن خديج‏)‏ الأنصاري صحابي جليل، أول مشاهده أحد ثم الخندق ‏(‏فند بعير‏)‏ أي هرب وهو بفتح النون وتشديد الدال ‏(‏ولم يكن معهم خيل‏)‏ أي ولأجل ذلك لم يقدروا على أخذه ‏(‏فحبسه الله‏)‏ أي أصابه السهم فوقف ‏(‏أن لهذه البهائم‏)‏ وفي رواية البخاري أن لهذه الإبل ‏(‏أو ابد كأوابد الوحش‏)‏ قال الجزري في النهاية‏:‏ الأوابد جمع آبدة، وهي التي قد تأبدت، أي توحشت ونفرت من الإنسى انتهى‏.‏

والمراد أن لها توحشاً، وقال التوربشتي اللام بمعنى من ‏(‏فما فعل منها هذا‏)‏ أي فأي بهيمة من هذه البهائم تهرب وتنفر، ‏(‏فافعلوا به هكذا‏)‏ أي فارموه بسهم ونحوه‏.‏ والمعنى ما نفر من الحيوان الأهلي من الإبل، والبقر، والغنم، والدجاج، كالصيد الوحشي في حكم الذبح، فإن ذكاته اضطرارية، فجميع أجزائه محل الذبح‏.‏ قال في شرح السنة‏:‏ فيه دليل على أن الحيوان الإنسي إذا توحش، ونفر فلم يقدر على قطع مذبحه يصير جميع بدنه في حكم المذبح، كالصيد الذي لا يقدر عليه‏.‏ وكذلك لو وقع بعير في بئر منكوساً فلم يقدر على قطع حلقومه فطعن في موضع من بدنه فمات كان حلالا انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وهذا أصح‏)‏ والحديث أخرجه الجماعة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏قوله والعمل على هذا عند أهل العلم‏)‏ قال الحافظ في الفتح قد نقله ابن المنذر وغيره عن الجمهور، وخالفهم مالك والليث، ونقل أيضاً عن سعيد بن المسيب وربيعة فقالوا‏:‏ لا يحل أكل الإنسي أو الوحش إلا بتذكيته في حلقة أو ليته‏.‏ وحجة الجمهور حديث رافع انتهى‏.‏

قلت‏:‏ ما ذهب إليه الجمهور هو الصواب وحجتهم حديث الباب‏.‏ وروى البيهقي من طريق أبي العميس عن غضيان عن يزيد البجلي عن ابيه قال‏:‏ أعرس رجل من الحي فاشترى جذوراً فندت فعرقبها وذكر اسم الله فأمر عبد الله يعني ابن مسعود أن يأكلوا‏.‏ فما طابت انفسهم حتى جعلوا له منها بضعة، ثم أتوه بها فأكل‏.‏ وأخرج عبد الرزاق عن عكرمة عن ابن عباس قال‏:‏ إذا وقع البعير في البئر فاطعنه من قبل خاصرته، واذكر اسم الله وكل‏.‏ وأخرج ابن ابي شيية من طريق ابي راشد السلمان قال‏:‏ كنت أرعى منائح لأهلي بظهر الكوفة فتردى منها بعير فخشيت أن يسبقني بذكاته، فأخذت حديدة فوجأت بها في جنبه أو سنامه ثم قطعته أعضاء وفرقته على أهلي، فأبوا أن يأكلوه، فأتيت علياً فقمت على باب قصره، فقلت‏:‏ يا أمير المؤمنين يا أمير المؤمنين، فقال‏:‏ يا لبيكاه يا لبيكاه، فأخبرته خبره‏.‏ فقال‏:‏ كل وأطعمني‏.‏ وأخرج ابن ابي شيية عن عباية بلفظ‏:‏ تردى بعبير في ركية فنزل رجل لينحره‏.‏ فقال‏:‏ لا أقدر على نحره، فقال له ابن عمر‏:‏ اذكر اسم الله‏.‏ ثم اقتل شاكلته، يعني خاصرته‏.‏ ففعل، فأخرج مقطعاً، فأخذ منه ابن عمر عشيراً بدرهمين أو أربعة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وهكذا رواه شعبة عن سعيد بن مسروق من رواية سفيان‏)‏ كذا في بعض النسخ بلفظ من رواية سفيان‏.‏ وفي بعض النسخ مثل رواية سفيان، وهو الصواب‏.‏ ويؤيده أنه وقع في بعض النسخ نحو رواية سفيان‏.‏ والمعنى أنه كما روى سفيان عن أبيه عن عباية بن رفاعة عن جده رافع، كذلك روى شعبة عن سعيد بن مسروق عن عباية بن رفاعية عن جده رافع، ولم يذكره بين عباية ورفاعة واسطة والد عباية، ولذلك قال الترمذي وهذا أصح‏.‏